حريق الجهراء، وقصة مطلقة الكويت، ذات الثلاثة والعشرين ربيعا، مؤسفة، وحزينة، وجريمة الحريق التي ارتكبتها، وما نتج عنه من تدافع أدى إلى مقتل خمسة وأربعين من الضيوف، أثارت العديد من ردود الفعل المستهجنة، على مستوى المنطقة، وراح ضحيتها أناس حتى من محبيها وأهلها، منهم والدتها وشقيقتها، رحمهم الله، جميعا، فكان الانتقام حارقا، وكانت النتيجة كارثة وكانت النهاية مؤلمة، وهو دليل على أن الجريمة خرجت من يدها، وتوسعت آثارها لتكويها هي، قبل غيرها، والمحاكمة والقصاص، سيكون من النتائج العادلة جزاء جريمتها المتهورة، لكن السؤال الذي أطرحه هنا، لماذا؟ ما الذي أدى لهذا القرار الذي اتخذته هذه التعيسة ليكون الحل الوحيد أمامها هو الانتقام، وهي ما تزال في مقتبل العمر، ومن يدري، ربما كان يمكن لطلاقها أن يكون بداية لحياة سعيدة، وكان يمكن أن يكون البداية لقصة نجاح مع غيره، ولا زال المستقبل عند طلاقها، مفتوحا، فلماذا استعجلت واتخذت أسلوب الانتقام، لتضع حدا مؤلما لنهاية غير سعيدة؟ هذه القصة بكل ذيولها الحزينة، توضح لنا أهمية التربية الإيمانية لدى الأفراد، وكيف يمكن للفكر الإيجابي والتفاؤل أن يحولهم من القاع للقمة، وكيف يمكن أن يتوقف فكر التخريب السلبي من داخل الإنسان عندما يتفاءل بالخير، وكتب الشرع غنية بمفاهيم الرضا بالقضاء والقدر، والتسليم بحكمة الله عزوجل فيما يمر علينا من أحداث، وكلها تعمل على إبقاء روح الأمل والتفاؤل والفكر الإيجابي لدى الفرد المسلم، مهما كانت ظروفه قاسية، ومع ذلك، يقدم كثير من كتب وأفكار «التطوير الذاتي» الحلول العصرية الجديدة لهذه الحالات قبل أن تقع، عندما يتحمل الشخص نفسه مسؤولية سعادته على نفسه، وألا يحمل غيره مسؤولية إسعاده. وكتاب «العادات السبع لأكثر الناس إنتاجية»، لمؤلفه ستيفن كوفي باع عشرات الملايين من النسخ بكل لغات العالم، منها العربية، يقول فيه ستيفن كوفي، العادة الأولى: كن مبادرا، فهناك دائرتان لكل شخص، دائرة التأثير، ودائرة الاهتمام، الدائرة الأولى صغيرة، ونحن مسؤولون عنها وعلينا توسيعها، وتختص بالأمور التي نستطيع أن نأخذ فيها قرارنا بأنفسنا، ونؤثر فيها بإرادتنا، ودائرة لا نستطيع أن نتحكم فيها، وهي تهمنا، لكن هناك أكثر من عامل خارجي لأخذ القرار فيها، لذلك يعتبر من العبث التركيز عليها، لأننا لا نستطيع تغييرها، وذلك سوف يجرنا إلى التذمر، ويقوي الرغبة في الانتقام، لذلك قرار الطلاق بين الزوجين يقع في دائرة الاهتمام، ولكن قرار الانتقام يقع في دائرة التأثير، في الأول رغبتنا وحدها لا تكفي لإبطاله، لكن الثاني نستطيع إبطاله بأنفسنا. يقول ابن تيمية وهو في سجنه «ماذا يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهي معي»، وقد قام الدكتور الأمريكي مارتن سلجمان، بإجراء بحث نفسي استغرق عشرين عاما، درس فيه الحياة الشخصية لأكثر من نصف مليون فرد، من النساء والرجال وحتى الأطفال، وخرج بنتيجة مذهلة تتلخص في نقطتين: الأولى أن التفاؤل يجعل حياتك وعملك أكثر فاعلية في أي مجال كان، وثانيا، أن التفاؤل صفة مكتسبة، أي يمكن تعلمها واقتناؤها وتنميتها، لذلك من المهم تعليم الناس التفاؤل، فالحياة لا تضيق بأحد، وأن سعادتك لا يمكن أن تكون ملك غيرك، ولا تسمح لأحد غيرك أن يملك مفاتيحها، وفي محاضرة لزوجة الكاتب الكبير ومعلم التحفيز الأول في الولايات المتحدة، جون ماكسويل، سألها الجمهور من السيدات: هل يسعدك زوجك جون في حياتك، صمتت قليلا ثم أجابت: «لا»، ففزع الجمهور وتعالت أصوات الاستنكار والاستهجان، كيف يمكن لكاتب كبير ومؤثر مثل الدكتور ماكسويل ألا يسعد زوجته في حياتها، أردفت بعد تلك الأصوات قائلة: مهلا، إنه زوج مثالي، ولكنني قصدت أنه غير مسؤول مباشرة عن سعادتي، فأنا المسؤولة الأولى عن سعادتي قبل أي شخص آخر، حتى لو كان زوجي، فأرادت أن تعلمهم أن السعادة شعور داخلي بالرضا، والقناعة التامة التي تقع ضمن دائرة التأثير التي يملكها الإنسان، وهذا لا يبرئ الآخرين من مسؤولياتهم تجاهنا، لكنه يعني أننا نحدد استقلال سعادتنا بأنفسنا بغض النظر عن فعل الآخرين تجاهنا. وهذا الحديث يجرنا للنظر في حياة المتقاعدين، الذين يعتقدون أنهم عند التقاعد سوف يسعدون بعدم العمل، ولكننا نتفاجأ بأنهم، تعساء، بسبب العزلة، وتعاظم شعور السلبية داخلهم من نسيان المجتمع لهم، عندها لم يعد وقت التقاعد فرصة للراحة، بل أعطاهم فرصة أكبر لزيارة عيادات الأطباء وللمستشفيات، مما يؤدي إلى تسارع انتشار المرض، وربما يعجل من رحيلهم عن هذه الدنيا، في وقت مبكر، لكن بالمقابل، المتقاعد، الذي يسعى للانخراط في نشاطات العطاء إما بعمل إضافي، أو عمل تطوعي، أو تطوير عمل حرفي، أو عمل في مهنة أو هواية يحبها ويتقنها أو يعمل على تطوير نفسه، بدون توقف، فسوف يغمره التفاؤل والإيجابية، والحركة، وهي كلها تعطي للإنسان الرضا عن نفسه وعن مجتمعه، وتبعد أوهام السخط والعزلة والسلبية، وبالمقابل على الجمعيات الخيرية والشركات، توسيع دائرة الاستفادة من المتقاعدين، وخصوصا الذين يتقاعدون في سن مبكرة، فنظرة الإنسان الإيجابية إلى نفسه، حاجة من حاجات النمو، تقع ضمن الطبقات الرئيسية التي ذكرها العالم النفسي إبراهام ماسلو في هرم الحاجات الإنسانية.