هل للحياة فن؟ وإذا كان هناك فن فهل نجيد نحن هذا الفن؟ ما هي معالم هذا الفن؟ ما هي أهدافه؟ ما هو مفهوم "الحياة الطيبة" التي تحدث عنها القرآن الكريم؟ هذا بحث طويل أتمنى أن يتصدى له نفر من المفكرين المقتدرين لكي يعلمونا كيف نعيش! أستغرب كثيراً وأنا طبيب أجلس في عيادتي وأستمع إلى مريض يشتكي من حرقان المريء وحموضة المعدة التي توقظه ليلاً وسوء الهضم المزمن والقولون العصبي، ولا يريد إلا دواءً جديداً فعالاً في مقاومة هذا الأمر، ويخرج من جعبته عدة أدوية هي كل ما أعرف لأوصفه في مثل هذه الحالة، ويظهر لي حيرته وعجزه وتعبه ومعاناته، وبعد وقت قصير من التاريخ المرضي الذي أستخلصه من مريضي هذا يتبين لي أنه يأكل كميات من الأكل تكفي لأن تقيم أود أربعة أشخاص معه! وأظن مع ضخامة ما يأكل أن معدته المسكينة قد استطالت لدرجة أنها أصبحت بحجم ثلاجة في سوبرماركت! أواجه مريضي بأن الموضوع سهل وحله في متناول يديه إن أراد! "لا تُخط فمك ولكن استرشد في الأكل واقتصد وحاول ألا تأكل إلاّ قبل ساعتين أو ثلاثة من موعد نومك" "ولا يجب أن تكون وجبة العشاء كالغداء فيها ما لذ وطاب من اللحوم وخلافه" وغير ذلك من إرشادات، وأول ما ألحظ في عيني مريضي هو أنه يفكر في طبيب آخر-غيري- يوصف أدوية! لأن هذا الطبيب الذي أمامه لا يعرف أدوية جديدة! إن كثيراً من مشاكلنا العويصة يكمن حلها في سلوكيات صحية بسيطة تحتاج إلى إرادة! التخمة وحرقان المريء وسوء الهضم اضطرابات كثيرة فلماذا نستسلم لشهوة الأكل المفرط ونرضى بكل هذه التوابع المزعجة؟ إن ذلك أول المحطات في هذا الطريق السريع الذي سيمر بمحطات السكر والضغط وتصلب الشرايين وجلطات القلب والدماغ –أجاركم الله-! أين حق البدن-كما تعلمنا نظرية الحقوق الإسلامية- في المحافظة عليه وتعهده بالرياضة وغيرها؟ لماذا لا يرى بعضنا متعة في حياته إلا في الأكل فقط؟ لماذا لا نأخذ منه حاجتنا ونلتفت إلى غيره؟ البعض يظن وهماً أنه سيموت جوعاً لو لم يلتهم كل هذه الكمية! وآخرون لا يرون متعة إلا في التدخين –على خطورته-؟ وآخرون في الجنس ولا شيء غير الجنس! بعض الناس وللأسف مصاب وهماً بسعار جنسي يجعله يرى أشياء في مخيلته هو وحده لا يراها غيره أبداً! فإذا تكلمت امرأة فبدافع جنسي! وإذا قام رجل بحركة ما فإنما هي بدافع وبعد جنسي! وإذا تكلم رجل وامرأة في أي مكان وتحت أي ظرف وزمان فبدافع ورغبة جنسية! هذه ثقافة مرضية تكاد تكون آثارها قد عمت في سلوكياتنا كلنا جميعاً شعرنا أم لم نشعر! إنها تلغي وللأسف إنسانية التعامل التي يجب أن تكون هي الأساس برصيد من الاحترام المتبادل والتقدير للشخص في فكره ورأيه لا لجنسه. الحياة أيضاً عند آخرين ليست إلا حديثاً عن القبر وعذابه وعن النار وعذابها وقليل من الحديث عن الجنة ونعيمها وبالجملة حديث عن الآخرة كأننا فيها! عجباً ومن سيعمر الدنيا إذا أبيضت أعيننا من الحزن والخوف والهلع من الآخرة؟ هل هذا هو أسلوب العيش الحميد الذي يدعونا إليه القرآن الكريم؟ إن فقيهاً ومربياً كابن الجوزي يعتبر أن انشغال المرء بالتعبد عن تحصيل العلم من مظاهر تلبيس إبليس وتضليله للخلق، بل إنه ليكره لنفسه كما يقول في صيد الخاطر:" لأكره لنفسي من جهة ضعف قلبي ورقته أن أكثر زيارة القبور وأن أحضر المحتضرين لأن ذلك يؤثر في فكري، ويخرجني من حيِز المتشاغلين بالعلم إلى مقام الفكر في الموت (لا حظ هو يريد الفكر في الحياة!) و لا أنتفع بنفسي مدة"، وحقيقة فإن ديننا –كما يذكر الدكتور عماد الدين خليل- فيه دعوة مفتوحة إلى مد الشعور بالحياة! فنظرة المؤمن واسعة شاملة وهمته عالية وروحه كبيرة تشمل الدنيا والآخرة، لأن هنا حياة وهناك حياة ممتدة من هذه الحياة. والحياة عند آخرين مال ولا شيء غير المال، لا ضير إن جاء من هذا الطريق أو ذاك ، ولا بأس إن كان حلالاً أم حراماً، وهنا إلغاء تام للحياة الأخرى وإغفالها ونسيانها من الشعور والإدراك! يعيش هنا الإنسان تحت وهم الغنى وخوف الفقر فلا يزداد مالاً إلا ويزداد طغياناً وضلالاً، وهذا بخلاف السعي الحر الشريف في طلب المال بالعمل والإبداع فيه. من الذي رسخ في اعتقادنا أن الحياة هي تجهم وغضب وتكشير وجفاء! أين الابتسامة في حياتنا اليومية؟ أين المبادرة بالسلام والمصارحة في المشاعر والصدق فيها "إني أحبك في الله" التي حض عليها الهدي النبوي؟ أين عبارات المدح والثناء والإعجاب والإطراء التي يجب أن نبثها فيمن حولنا؟ أين المرح في حياتنا؟ أين الدعابة؟ ومن جهة أخرى ما سبب هذا الكسل والخمول الذي يعشش فينا؟ أين قيم العمل؟ هل نحمل كمجتمع ثقافة العمل وإتقانه؟ هل نحس بأهمية العمل وبذل الجهد ودوره في بناء الشخصية؟ أعجبني قديماً أحد الآباء المربين وهو يوصي زميلاً لي في كلية الطب ونحن يومها طلاب: يا بني حاول أن تتعب؟ وكأن التعب والنصب في سبيل ما يريده الإنسان هو حياة حقيقية فيها فرح بالإنجاز وشعور بالفاعلية وإشباع لروح التحدي والمخاطرة! ولأمر ما ارتبط ذكر الحياة الطيبة بالعمل الصالح –على إطلاقه-والذي يشمل- مما يشمل- كل عمل إبداعي حضاري نفعي :"من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" (النحل-97). التوازن أمر مطلوب في هذه الحياة مع تحرر من أسر الأوهام الفارغة التي تحبسنا في دهاليز أنفسنا، والنظر بمنظار الأمل والتفاؤل، والانفتاح على معالم حق وخير ومعان رائعة في هذه الحياة لطالما حرمنا أنفسنا منها.