في مشواري (المتوسط) مع الكتابة، واجهت في كثير من الأحيان نفس السؤال وإن بصيغ مختلفة: كيف تكتب وكيف تبني الفكرة وكيف تأتي الأفكار في الأصل؟ لم أتذكر أن أحداً في حضوري سأل أو سئل السؤال الرديف: كيف تقرأ مقالة، وما هي الأدوات الاستباقية التي يحتاجها الفرد من أجل تفكيك بنيوي وهو يقرأ المقالة؟ مساء ما قبل البارحة، قرأت بكل لذة ذات – العنوان – في مقالة الكاتب الأمريكي الشهير – وليام سافير – ثم وجدتها ثانية في ترجمته الجميلة لذات المقال في صفحة – رأي – الزميلة الشرق الأوسط. وبالطبع يتحدث الكاتب الأمريكي إلى القراء منطلقاً من بيئة مختلفة، ومن قياسات هي بكل تأكيد مختلفة حول قياساتنا وعنها تماماً في حرية التعبير وحرية محاورة الأفكار وحتى في الاختلاف في مسطرة القياس الاجتماعي والتيارات الفكرية يميناً أو يساراً وما بين الوجهتين. اليوم، سأحاول إسقاط الفكرة في السؤال: كيف تقرأ مقالة، على البيئة التي كانت لي معها هذه التجربة: أولاً: حين تقرأ المقال، تأكد تماماً أن الكاتب في بيئتنا الثقافية لا يتمتع أبداً بالقدر الكافي من الاستقلال الذي يجعله حراً متحرراً من القيود. لا يمكن أن يحصل القارئ في بيئتنا الثقافية من كاتبه على فكرة شمولية متكاملة ومغلقة لا يترك فيها الكاتب لنفسه مدخلاً إلى خط الرجعة. هنا يكتب الكاتب وعيناه إلى الخلف منه تحت إرهاص الرقابة التي يأتي المجتمع وطوائفه فيها على رأس – المكارثية – التي تتعدى سطوة الرقيب الرسمي بمراحل. عندما تقرأ تأكد تماماً أنك تحصل، هنا، فقط على نصف الحقيقة، ونصف الفكرة بينما نصفها الآخر غارق في النفاق وفي تمهيد الخط الموازي من أجل العودة. الكتابة هنا خط مزدوج بمسارين متضادين. ثانياً: عندما تقرأ المقال، تأكد على الدوام أن الكاتب أسير أسوار مدرسته حتى في كثير من الأفكار التي يؤمن بها ولكنه لا يستطيع أن يكتبها لأنها لا تتناغم مع قواعد وأركان مدرسته. وفي صراع الأفكار تبقى المنطقة الوسطية ما بين التيارين (الديني، والليبرالي، مثالاً) منطقة خالية أو شبه خالية من سكان (الكتاب) لأن الكاتب، من أي تيار كان لا بد أن يشعر بالطمأنينة بالاحتماء تحت سور المدرسة على أقصى الزاوية، فيما الوسطية فناء مفتوح بلا ظل. وعندما تقرأ فإن عليك أن تعيش درجة الإعجاب في داخلك كي تعرف بالضبط نحو أي التيارات تميل وتستميل. تأكد تماماً أن القراءة الفكرية جريمة بالغة الخطورة في مسيرة العلاج العقلي. وبالبرهان، فإن أقل الناس تطرفاً وعنفاً، أو تفسخاً وتحرراً هم أولئك الذين لا يقرؤون وهم أيضاً أكثر الناس طمأنينة كفضل وحيد ناتج عن التبلد. وكما قال – جونثاو – في ميزان القوة، فإن الذين لا يقرؤون هم وقود حراك الذين يكتبون. الكاتب لا يهتم كثيراً بالقارئ المضمون ولكنه يهتم بنصيبه من حصة الشريحة التي لم تقرر أن تقرأ بعد. ثالثاً: عندما تقرأ، لا تكرر كثيراً القراءة للكاتب الذي تجد نفسك معه متفقاً ومنسجماً في الأفكار والمضامين. هذا النوع من الكتاب، ومن القراءة، لا يضيف إلى رصيدك المعرفي شيئاً بقيمة تستحق المتابعة وإنما يدغدغ مشاعرك وهو يشعرك أنك معه صورة كربونية وكأنه يكتب أفكارك عنك بالإنابة. تأكد على الدوام أن القراءة الحقيقية في متعتها هي ما كان متصادماً معك ومستفزاً لقناعاتك وأن الأفكار التي تستحق القراءة هي تلك التي تجد نفسك مختلفاً معها وغير مؤمن بها في البدايات قبل أن تحكم على النهاية. القراءة الحقيقية هي التي تواجهك لا تلك التي تسير من جانبك أو تدفع غرائزك من خلفك وإذا لم يأخذك المقال بالفجاءة والدهشة فاعلم أن الفكرة مجرد مساحة للتسلية. وحين تقرأ لهذا أو ذاك، مقالاً هنا أو هناك، فاستمتع مع القراءة بالاستماع لردة الفعل. وحين تجد أن مقالاً ما قد حظي بالقبول الشعبي الجارف وحاز درجة الرضا الاجتماعي عابراً فوق كل التيارات والطوائف فاعلم أن الفكرة في المقال من حيث الأصالة والابتكارية لا تمثل أكثر من صفر مكعب أو مربع لا فرق. إنها إنما تبيع الناس ذات بضاعتهم المألوفة وكل ما تفعله هذه المقالات الشعبوية ليس إلا أن تحول كلامهم إلى حروف مطبوعة. رابعاً: حين تقرأ، تأكد تماماً ألا ينتهي بك المطاف جندياً في حروب النخبة. تأكد تماماً أنك حين تقرأ فإنك تعرف الخيط الفاصل بين قبول الأفكار وبين تقبلها كي لا تكون ضحية تقليدية لما يهدف إليه الكتاب: مزيداً من المعجبين المنافحين عن الأفكار بينما هم يعيشون أبراجهم الكتابية. وحين تقرأ، تأكد أن الكاتب لا يمثل كثيراً من الأفكار ومن المثاليات التي يقول بها فلا تكن رومانياً أكثر من الروم. تأكد حين تقرأ، أن في الكتابة وفي الكتاب مساحات لن ينكرها إلا مراوغ من تصفية الحسابات ومن – كارتيل – الأفكار واستيرادها وتصديرها وبيعها بالجملة والتجزئة. وحين تقرأ، تأكد أن في الكتابة مساحات أخرى من المصالح الخاصة للأفراد وللمدارس التي ينتمون إليها مثلما فيها أيضاً بحالات محسوبة بكل حساب شئت من نصرة هذا على حساب ذاك ومن تلميع هذه الفكرة في مقابل تلك ومن الوقوف مع هذا الفريق أو المؤسسة على حساب الخصم أو البديل. الكتابة لعبة نرجسية فلا تكن قارئاً أفلاطونياً يظن أننا في حديقة للزهور. الكتابة حديقة للدبابير فلا تظن أن الكتاب هم أنفسهم الذين تراهم في الصور. فتش قبل أن تقرأ عما قبل الصورة.