تطوير التربية كمنظومة مجتمعية وبكافة عناصرها المادية والبشرية والوصول بالتعليم إلى الجودة والنوعية لا يتحقق بإطلاق الشعارات البراقة والوعود المعسولة.. والعيش في الأحلام.. ولهذا السبب ظلت التربية في بلادنا تتلمس طريقها دهورا دون أن تجد الطريق الأصح والذي يقودها لتحقيق أهداف المجتمع الكبير بكل ما فيه من مؤسسات حكومية وأهلية وجماعات وأفراد.. كما اختلت المعادلة بين مخرجات التعليم العام ومتطلبات التعليم الجامعي فدفعت المدارس الثانوية بنوعيات ضعيفة جدا من الطلاب والطالبات لم يسعفها إعدادها الضعيف القائم على طرائق الحفظ والاستظهار وامتحانات الاسترجاع.. والمناهج النظرية كي تصمد لتواصل مشوار الدراسة الجامعية مما اضطر بعض الجامعات والكليات لطرح ما يسمى بالسنوات التحضيرية.. لتلافي نواحي القصور في إعداد الطلاب في مدارس التعليم.. وخاصة في مواد أساسية مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء واللغة الإنجليزية.. ورغم هذه الجهود إلا أن أعدادا لا يستهان بها من الطلاب والطالبات واصلوا إخفاقاتهم حتى في ظل فتح المجالات أمامهم لتغيير تخصصاتهم.. واتجه أغلب الطلاب إلى التخصصات النظرية والسهلة مما جعل مخرجات التعليم الجامعي لا تلبي غالبا احتياجات سوق العمل ولعل أهم الأسباب في نظري الضعف الواضح في أساس التعليم وهو التعليم العام. لقد أدرك المسؤولون حجم المشكلة..والضعف الواضح في مكونات العملية التربوية فاتجهوا في محاولات متكررة لتطوير تلك المكونات من معلم وبيئة تعليمية ومناهج وإدارة مدرسية وإشراف تربوي إلا أن تلك المحاولات لم تصب الهدف كونها قد تمت في سياقات غير شمولية فتارة إطلاق شعار لتطوير المناهج.. وشعار نحو قيادة تربوية أفضل.. وشعار الإشراف التربوي المتنوع.. وشعار للمعلم وآخر للموهوبين..وشعار لا للمدارس المستأجرة والذي لم يحقق مثل غيره إلا نتائج محدودة إذ مازال بعض الطلاب والطالبات يدرسون في مباني مستأجرة ومتهالكة لا تصلح لسكنى البشر ناهيك أن تكون معاقل لتربية وتعليم أجيال المستقبل.. مبان لا تحقق الحد الأدنى من متطلبات العملية التربوية ولا تتوافر داخلها الأجواء الصالحة للتعليم ومن المستحيل أن تحتضن تلك المباني أي تجربة يراد من وراء تطبيقها تطوير التعليم.. فالفصول ضيقة وضعيفة الإضاءة والتهوية.. وبعض الطلاب يدرسون في المطابخ والممرات المغلقة.. وفي غرف من الصفيح..وهذا ما جعل شعار لا للمباني المستأجرة والذي أطلق قبل سنوات يتبخر إذ مازلنا بحاجة لسنوات أخرى كي نتخلص من تلك المباني. سياسة الشعارات التي طبقتها وزارة التربية في الماضي لم يحصد منها المجتمع إلا القليل.. بينما بقيت أسس العملية التربية تعاني إلى يومنا هذا.. ولعلي أذكر بأشهر شعارا يعتبر الأبرز بين كل تلك الشعارات التي أطلقت..وهو شعار"وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة" ورغم علمي بسلامة مقصد من أطلقه إلا أن هذا الشعار والذي استنزف من عمر المجتمع أكثر من عشر سنوات لم يصنع التربية العظيمة التي تنتج الأمة العظيمة التي تشيد البناء الحضاري العظيم..رغم جهد الوزارة في تغيير المسميات لعلها تحسن النواحي النفسية للتربويين..فغيرت اسمها من المعارف إلى التربية والتعليم.. واستبدلت مسمى التوجيه التربوي بالإشراف التربوي.. وأضافت إدارات جديدة مثل اقتصادات التعليم.. وجهدها في استنساخ التجارب التربوية من دول العالم المتقدم فأرسلت بغية تحقيق هذا الهدف التربوي وفودها لدول حققت قفزات هائلة في مجال التعليم مثل أمريكا وكوريا والصين واليابان وأستراليا وماليزيا.. وحاول التربويون حينها إبراز ما استنسخوه فظهر لنا وقتها ما سمي بالمدارس الرائدة.. وتطبيق معايير الجودة الشاملة.. ولأن التطبيق لم يتم في بيئة مناسبة ماديا وبشريا فقد أخفقت التجارب وطويت صفحاتها. بذلت الدولة الأموال الطائلة والميزانيات الضخمة والتي استنفدتها الوزارة في عقد المؤتمرات والاجتماعات الداخلية والخارجية.. والدورات التدريبية وورش العمل.. وتطبيق بعض الأفكار الجديدة..والاتجاه بصورة جادة لإدخال التقنية تحت شعار "حاسب آلي لكل طالب".. والتدريس بواسطة الأقراص المدمجة.. ومحاولة الاستغناء قدر الإمكان عن الكتاب المدرسي الورقي وتحويل البيئة المدرسية إلى بيئة تقنية متكاملة.. لكن عيب هذه المحاولات أنها طبقت في بيئات تقليدية "كمن يحاول وضع الأثاث العصري في بيت طيني قديم ومتهالك" ولذلك لم يكتب لها النجاح المنتظر.. فالتطوير يحتاج أولا إلى تغيير نمط التفكير لكل المشتغلين في البيئة التربوية بدءاً من القيادة ومرورا بالإدارات العامة والإشراف والإدارة المدرسية والمعلمين.. واستكمال البنى التحتية الجاذبة في المدرسة.. وبمعنى أدق خلق البيئة المحفزة للطالب أولا وللمعلم ثانيا.. وإحلال الاتجاهات الإيجابية للتعليم لدى الطلاب بدلا من الاتجاهات السلبية.. وغرس حب التعليم والمدرسة في نفوس الطلاب من مرحلة مبكرة جدا. واليوم والعمل التربوي يدار بقيادة جديدة فالأمل أن تتحول منهجية العمل إلى التركيز على العمل الجاد البعيد عن الشعارات.. وحل مشكلات التعليم المزمنة قبل الاتجاه إلى تطبيق تجارب وخبرات قد لا تفيد في ظل الوضع الراهن..وأولى مهام العمل الجاد إصلاح بيئة التعليم.. وتحسين مستويات المعلمين والمعلمات وحفزهم لترسيخ حب المهنة في نفوسهم..وتطوير المناهج مضمونا لا شكلا ولن يتم ذلك إلا بتدريب الطلاب على مهارات التفكير وطرح المقررات على هيئة مشكلات يقوم الطلاب باقتراح الحلول المناسبة لها.. ومسائل يقومون بحلها ونشاطات وتدريبات عملية تثري مخزونهم المعرفي.. وتخليصها من الحشو والموضوعات التي لا تواكب العصر الحاضر..وتطبيق طرق معاصرة في التدريس بدلا من الطرق التلقينية التي تتجه نحو الحفظ لا الفهم.. وهذا الأمر يتطلب إعادة صياغة وإعداد المعلم ليكون في مستوى المهام الجديدة ولتكون لديه المهارة في قيادة عمليات التعليم بكل اقتدار. إذا أقرت الوزارة منهجا شموليا في إصلاح التربية بكل مكوناتها فستصل إلى غايتها بالعمل الجاد والمتواصل والتراكمي دون الحاجة لإطلاق الشعارات التي قد تحرجها أمام المجتمع إن لم تتمكن من تجسيدها على أرض الواقع.