في بداية أكتوبر الماضي، نفّذت كاوست انتخاباتها الأولى لاختيار المجلس الطلابي. شارك في الانتخاب الذي تمّ بسرّية ونزاهة 60% من الطلاب واختاروا 11 مرشحاً ليكونوا أعضاء المجلس. إذا سألت عن باقي الجامعات السعودية، ستعرف أن بعضها ألّف مجالس طلابية خلال الأعوام الماضية، لكن الفرق هو أنها مجالس مُعينة وليست مُنتخبة، عميد شؤون الطلاب يختار الأعضاء الذين يجب أن يتحلوا بالكتمان و"عدم البوح بما تمت مناقشته"، وكما عُيّنوا يمكن فصلهم من المجلس. وإحدى كليات البنات كانت ظريفة وهي تشترط على من ترغب في التقدم لعضوية المجلس "حُسن المظهر" و"القدرات الأدبية في الشعر والخطابة" و"اعتدال الأفكار". في يناير 2008م أقرّ مجلس الشورى نظام الجامعات وفي بنوده إنشاء اتحاد للطلبة في كل جامعة وانتخاب رؤساء الأقسام وبنود أخرى أهم تتعلق بصلاحيات مجلس الجامعة واستقلالية الجامعة ككل مالياً وإدارياً، في ذلك الوقت كانت مباني كاوست لا تزال تحت الإنشاء. يمثل المجلس الطلابي المنتخب أو اتحاد الطلبة نموذجاً بسيطاً للتطوير والتقدّم الذي لا يمكن أن يكون المجتمع مصدراً للممانعة الثقافية ضده، ودليلاً على أن كاوست ليست "جزيرة معزولة" إلى هذه الدرجة و أن الحدّ الفاصل بينها والخارج غير قاطع، وأن جزءاً مما يجري فيها قابل للتطبيق خارجها، والسؤال الكبير بالطبع هو عن مصدر الممانعة. يمكن أن تُثار هنا الحجة الماسخة حول ضعف الثقافة الانتخابية عند الطالب السعودي (الذي تطلب منه هذه العبارة ضمنياً تكوين ثقافة انتخابية دون ممارسة انتخابية!)، ومن المفيد هنا مراجعة ما ذكره الطالب في كاوست صاحب مدونة Saudi Aggie في تقريره عن الانتخابات (التي كان هو أحد المشرفين عليها) عن جدّية الطلبة رغم أن قسماً منهم لم يسبق له الحصول على فرصة للاقتراع في بلده الأم، وقسماً آخر كانت لديه هذه الفرصة لكن لم يُبال بها قبل هذه المرة في كاوست. من الرسائل المشوّشة التي يتلقاها المراقب للوضع والطالب، هذا الفخر الجامعي والاحتفاء الصحفي الكبير بأيّ خبر عن تجربة انتخابية طلابية حتى لو كانت تجربة يتيمة، كانتخاب المجلس الطلابي في كلية المعلمين بجدة قبل ثلاثة أعوام أو حتى انتخاب مجلس طلابي لمدرسة ابتدائية في الأحساء! حتى نظام الجامعات الذي أقره مجلس الشورى قبل عامين تقريباً، نُشِرَ مع التركيز على بنديّ اتحاد الطلبة وانتخاب رؤساء الأقسام بالذات، ومن بعده تقارير صحفية عن سعادة واستبشار طلاب الجامعات بهذه الخطوة الإصلاحية. ومؤخرا ً افتخرت جامعة الملك سعود باختيار رئيس نادي الطلاب في قسم الإعلام بالانتخاب، ثم ترى نفس الجامعات الفخورة بتجارب الانتخاب الثانوية تؤلف مجلسا طلابياً بالتعيين، بينما كاوست تنتخب، والحال هو "أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد"! لماذا اتحاد الطلبة ولماذا الانتخابات؟ المعترضون على ثقافة القوائم المرشحة والحملات الانتخابية داخل الجامعة يقولون إن هذا النشاط سيُدخل إلى الحرم الجامعي المشاكل التي كانت موجودة خارجه، أي التوترات الاجتماعية، وسيشغل الطلاب عن التحصيل والتعلم. هذه الحجة تستند إلى افتراضين، الأول، أن على الجامعة السعودية أن تبقى معزولة عمّا يدور حولها، أن تبقى خارج المجتمع بشكلٍ ما رغم أنها توجد ضمنه، والآخر أن (التعلم) في الجامعة هو تعلم العلوم البحتة فقط، ذلك الذي يجري في القاعات والمعامل بين الطلبة والأستاذة. بقاء الجامعة معزولة في همومها وأنشطتها عما حولها يعني أنها تفضّل الهدوء وراحة البال على أن تكون مؤثرة في محيطها ومُشاركة في صناعة الرأي وتوجيهه، وهذا مفهوم فقط عندما تكون الجامعة أضعف من أن تلعب هذا الدور. الافتراض الآخر الذي يحصر التعلم في حدود ضيقة يتجاهل أن الانتخاب أيضاً شكلٌ من أشكال التعلم شديد الصلة بالواقع. بالتجربة الانتخابية الجامعية يتعلم الطالب كيف يكون إنساناً مدنياً، قادراً على التعبير عن أفكاره بالطرق السلمية، قادراً على الإبداع في التعبير والتسويق لفكرته، قادراً على الجدل، ولديه فكرة عن القيمة الواقعية لأفكاره وأفكار غيره، جماهيريتها، فعاليتها، ثغراتها، مدركاً أنه لن يحصل على ما هو له حتى يعطي ما هو عليه، ولن يُسمع أو يُحترم حتى يَسمع ويَحترم. يمكنك ألا تعتبر هذا جزءاً من التعلم لكن لا تَلُم الشاب الذي يخرج من الجامعة إلى الحياة ليُعبّر عن أفكاره بالعنف والقوة بدل أن يُجادل، أو ينسحب من الحياة إلى أحلامه وإحباطاته الصامتة وينشغل بالتفكير في الهروب إلى مكانٍ بعيد عند أول فرصة. قد تتحرك الأنشطة الطلابية الجامعية وتقود المجتمع إلى وجهة جديدة ما كان ليتوصل إليها دون معونتهم، الحماس الشبابي الذي يعتبر تخريبياً يمكنه عبر هذه القنوات السلمية أن يصبح حماساً إيجابياً ومفيداً، وعدم ارتباط الطلاب بوظائف وأعمال وأسر تعني حرّيتهم من منافع الوضع السائد ومن المصالح الشخصية، وقلة خبرتهم تعني أنهم غير مُحبطين. عندها يمكن للمجتمع أن يكون مديناً لشباب الجامعات بلحظاتٍ تاريخية، بالدماء الجديدة التي ستعيده إلى الحياة.