من رأى تلك الوجوه التي عفرها الندم.. وتلك الأيدي المشرئبة التي تشتعل ابتهالاً ورجاء تارة، وتكفكف الدموع تارة أخرى، ليشعر برهبة الموقف، وعظمة هذه الفريضة. فريضة الحج. هنا تخلق لغة جديدة، وهوية واحدة شاملة لا مجال فيها للتباين والاختلاف. يتكرر هذا المشهد الدرامي البانورامي كل عام، ويراه ملايين المشاهدين في جميع بقاع الأرض. لكنه بالنسبة لأهل مكة مختلف تماماً لأننا كنا نعايش مسيرة هؤلاء الطاهرين المطهرين بإذن الله خطوة خطوة، بدءاً باليوم الذي تطأ فيه أقدامهم تراب مكة المكرمة، حيث نفتح بيوتنا لاستقبالهم ونعيش معهم ونحج معهم أحياناً. وكنا نفرح لمقدمهم، وننتظر ما يجلبونه معهم من بضائع وهدايا ومأكولات متنوعة. حجاج أتراك ومغاربة وشوام ونيجريون وإيرانيون، جميعهم يسكنون عمائر متجاورة، يخرجون للصلوات في المسجد الحرام معا، ويعودون معا. وكنت أنا هناك.. جزءا من المشهد، أتفرس السحنات وأتطفل على التجمعات، وأرتع مشدوهة بهذا الكرنفال الحي، وتختلط في أنفي روائح البهارات المتنوعة مع روائح العطور والملابس ونكهات الحلوى التي كانوا يمنحونني إياها بحب وفرح، أو يبيعونها مع البضائع الأخرى التي جلبوها من باب الترزق والتكسب (ومنافع أخرى!) أو (حج وبيع سبح) كما يقول أهل مكة. وما زلت إلى اليوم أتذكر تلك النفحات الإيمانية التي تغمرهم، والأجواء الروحانية التي كانت تجلل غرفهم وأصواتهم وخطواتهم. الكل كان يتأهب لتلك اللحظات.. ليوم عرفة. وحدنا كنا نعد الخطى وننتظر هطولهم من "منى" صباح العيد. وحدنا كنا ندرك معنى أن يعود الحاج سليما بعد رمي الجمرات (الشياطين)، ويفك إحرامه ويلبس ملابسه التقليدية الزاهية. كانت حقائبهم وأمتعتهم في الغرف المفتوحة تنتظرهم، ويظل أهل الدار يتأملونها ولا يلمسونها حتى يعودوا. وكثيراً ما كانت بعضها تنتظر وتنتظر، ولا يعود الحاج، وحينها نعرف أنه قضى في رحلته المقدسة، ويردد الجميع: هنيئا له، مات شهيداً. أشعر بالأسى، والحنين لـ"سوق الصغير" و"الشبيكة" و"جبل عمر" و"الشامية" البائدة، وتنهش وجداني نوستالجيا الحج، وذكريات الطفولة، التي لم تأت عليها البلدوزرات، حين كنت أذرع هذه الأماكن جيئة وذهاباً، أتوحد مع هذه الكتل البشرية، وأنزل ضيفة على مدينتي.. أعيد اكتشاف الأشياء من حولي، وأتمثل مشاعرهم لحظة رؤيتهم للكعبة أول مرة، ولحظة استقبالهم للبلد والمحلات، أشرب التمرهندي من الدكان الذي (كان) عند باب الحرم، و"سوبيا" عم سعيد خضري، وأحتفي بالبضائع والمحلات وكأنني حاجة وسائحة. هكذا كنت أحج كل عام وأزور مدينتي كل عام دون أن أبرحها. كل عام وعيدكم أبيض كبياض الإحرام، ولؤلؤي كنثار المغفرة، وبهي زاه كما الكعبة اليوم في ثوبها الجديد.