قامت الإستراتيجية السعودية في تعاملها مع اليمن منذ بداية العلاقات بين البلدين على مبدأ واحد، هو مصلحة الشعب اليمني، والوقوف معه في جميع الأحوال، انطلاقا من خصوصية الوشائج التي تجمع بين الشعبين الشقيقين، والتي قلّ أن يوجد مثيلها بين شعبين آخرين على وجه الأرض، استنادا على الدين الواحد، واللغة المشتركة، والتاريخ، وروابط القربى وصلة الرحم والمصاهرة، لذلك فهي علاقات ضاربة بجذورها في القدم. وظلت تلك العلاقة المتفردة تزداد رسوخا يوما إثر يوم، رغم تعدد الأنظمة السياسية في اليمن، وتغير الحكومات، لأنها في الأصل علاقة عفوية وطبيعية نشأت بين شعبين.​

لكل ما سبق كان الإسهام السعودي كبيرا وواضحا في حل كثير من المشكلات التي اعترضت سبيل أبناء اليمن، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، عندما تدخلت الرياض إيجابيا، وأسهمت في جمع اليمنيين حول مائدة التفاوض في مؤتمر الحوار الوطني، وسعت إلى تقريب وجهات النظر، وتجاوز العقبات. كذلك قامت بالدور ذاته خلال تقديم المبادرة الخليجية، وكان لها قصب السبق في إقرارها والتوقيع عليها، وهو ما شهد عليه جميع أطراف العملية السياسية اليمنية.​

بعد انقلاب جماعة الحوثيين المتمردة، واغتصابها السلطة لم تقف الرياض موقف المتفرج، وبادرت إلى مد يد العون للحكومة الشرعية التي يقودها الرئيس عبد ربه منصور هادي عندما أراد مساعدتها وطلب بصورة رسمية تدخلها للتصدي للحركة الإرهابية، فسارعت إلى تشكيل التحالف العربي الذي ضم مجموعة من الدول، وأسهم في وقف التمدد الحوثي الذي ما هو إلا أداة للنظام الإيراني الذي لا يريد بأهل اليمن خيرا، ولا يهدف سوى إلى ضم مهد العروبة إلى محور الشر الذي يقوده.​


عندما ظهر التباين والاختلاف بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي في عدن كان الموقف السعودي معتدلا ومتزنا، ولم تقف مع طرف ضد الآخر، واختارت أن تدير هذه الأزمة بحنكة وحكمة، بمشاركة إماراتية مقدرة. فكان التركيز على إزالة أسباب الخلاف، وأدارت من خلف الكواليس حوارا مطولا بين الجانبين، أدى في الآخر إلى الاتفاق على حل سلمي توافقي مبني على المرجعيات والمبادئ الرئيسية، يحقن دماء اليمنيين، ويقودهم للتفرغ لمواجهة العدو المشترك، وأن يسعى الجميع إلى استعادة الشرعية أولا ثم الجلوس بعد ذلك حول مائدة الحوار، لإيجاد حلول للخلافات الداخلية، والتوصل إلى ما يحقق المصلحة العامة.​

اضطلعت الرياض بهذا الدور انطلاقا من قناعتها وإيمانها بأنها طرف رئيسي في حل مشكلة اليمن، لذلك التزمت جانب الحياد الإيجابي بين كافة الأطراف، لذلك وجدت مبادرتها تجاوبا كاملا من الجميع، ونالت احترامهم وكسبت تقديرهم، وهو ما أدى في الآخر حسب المعلومات الأولية إلى التوصل لاتفاق مرضٍ يراعي ملاحظات المجلس الانتقالي، ويلبي تطلعاته، وفي الوقت ذاته يحتفظ بشرعية الرئيس هادي الذي سيقود حكومة كفاءات سياسية تضم 24 وزيرا مناصفة بين المحافظات الجنوبية والشمالية، مهمتها الرئيسية توحيد الصف وتفعيل مؤسسات الدولة لخدمة المواطن اليمني.​

من أولى أولويات الحكومة الجديدة، إضافة إلى توحيد الصفوف لمواجهة الحوثيين، إدارة موارد الدولة بشفافية، ومكافحة الفساد عبر تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، وتشكيل المجلس الاقتصادي الأعلى وتعزيزه بشخصيات ذات خبرة ونزاهة، لذلك فإن تطبيق هذا الاتفاق بصورة كاملة حتما سوف يقود اليمن إلى مرحلة تطويرية جديدة، ويمكن أن يشكل لبنة مهمة للتوصل مستقبلا إلى حل كافة الملفات العالقة بين الجانبين، إذا ما توفرت الإرادة السياسية.​

من أبرز بنود الاتفاق الأخير عودة الرئيس هادي إلى عدن، لقيادة الحكومة الجديدة من هناك، ومباشرة صرف الرواتب لجميع القطاعات المدنية والعسكرية، والإشراف الفعلي على عودة جميع القوات إلى مواقعها السابقة، بكافة أفرادها وأسلحتها، لتحل محلها قوات الأمن التابعة للسلطة المحلية، وهو ما يعني بوضوح توحيد القوات العسكرية تحت قيادة واحدة، وسيؤدي ذلك بكل تأكيد إلى تسريع رتم العمليات العسكرية ضد الانقلابيين، بما يؤدي إلى استئصالهم وعودة الشرعية إلى كامل التراب اليمني.​

كل تلك البنود تم التوصل إليها بقناعة تامة، ورعاية سعودية كاملة، دون أن تتدخل المملكة في قناعات الشعب اليمني أو تفرض عليه شروطا، فقد احترمت جميع مكوناته، والتزمت بمراعاة كافة ما يتفقون عليه مستقبلا، واقتصر دورها في تقريب وجهات نظر كافة الأطراف، وتقريب شقة الخلاف بينهم، والتوسط الإيجابي للتغلب على الأزمات وأوجه التباين. وهذا الجهد يأتي امتدادا للدعم السياسي والعسكري والإنساني والتنموي الذي حرصت على أن يصل إلى الجميع، دون تخصيص محافظة دون أخرى، ولم تصاحبه أي اعتبارات مذهبية أو طائفية، بل إن صعدة حاضنة الحوثي ومسقط رأسه وصلتها عشرات القوافل الإغاثية، بل إن مستشفى السلام -وهو الوحيد الذي لا يزال يعمل في صعدة- تقوم المملكة بتوفير رواتب طاقمه وكافة المعينات الطبية التي يعمل بها.​

بهذا الاتفاق تكون المملكة قد أكدت من جديد أنها صانعة سلام في المنطقة، وأنها تسعى إلى ما فيه خير اليمن وسائر الدول، وأن دورها ينحصر في مساعدة الآخرين ومدهم بكل أدوات البناء ومستلزمات النماء ومقومات الحياة، على عكس ما تفعله دولة الملالي في إيران، التي لم تقدم سوى وسائل الموت والدمار، من بنادق وقنابل وألغام، تقطع أشلاء أطفال اليمن، وتقتل شيوخهم وترمل نساءهم، وليس ذلك غريبا عليها فقد مارست الدور نفسه من قبل في العراق ولبنان وسورية وكافة الدول التي ابتليت بتدخلاتها السالبة. والفرق بين الموقفين يوضح كيفية تصرف الكبار الذين ينطلقون في تعاملهم من مكانتهم الرائدة، وما يفعله الصغار الذين تقتصر نظرتهم على الحفاظ على مصالح طائفية بغيضة.​