يعتمد الغناء على ثلاثة أركان: الكلمات واللحن والأداء، ومنذ القدم كان الشعر يغذي الحركة الغنائية والألحان في التراث الإسلامي رصدها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الضخم (الأغاني)، وكان يؤديها الموالي والقيان منذ العصر الجاهلي وعصور التاريخ الإسلامي، ودخل بعد ذلك بعض السادة وأسماؤهم معروفة في كتب التراث، وكان الغناء يؤدى في مجالس الخلفاء والأعيان، رجالا ونساء.

غزل عفيف

ويذكر سعيد الديوجي أن الغزل العفيف انتشر في الحجاز، خاصة في المدينة، فترنم به الشبان. وغنت به القيان. وأنشده الكهول. واهتز له الشيوخ والزهاد. فابن عباس وهو من نعلم علمه وزهده وقربه من رسول الله ﷺ كان يسمع من ابن أبي ربيعة شعره في المسجد الحرام ويهتز له، وساعد هذا الترف على ظهور الغناء في المدينة وانتشاره بين معظم الشعب، فكانت المدينة مهد الغناء، ووجد بالمدينة في هذا العصر عشرات المغنين والمغنيات من الذين برعوا في هذه الصناعة وتفننوا في ألحانهم، وأحدثوا ألحانا جديدة لم تكن معلومة عند العرب، كما استعملوا آلات الطرب والمعازف كالعود والبربط والقضيب والمزهر والدف. وكانت المغنية (جميلة) تعلم الفتيات هذا الفن ودارها أشبه ما يكون بمدرسة فنون يتخرج منها عشاق الفن والطرب.

حراك علمي

بجانب هذا كله نجد في المدينة حركة علمية قوية لا نجدها في غيرها من البلدان. ذلك لأنها مهبط الوحي الثاني، بها نزل التشريع، وبها عقدت مجالس رسول الله ﷺ وآثر الصحابة الكرام الإقامة بها. وقام فيها العبادلة وأحبار هذه الأمة من الصحابة والتابعين، فلا عجب إذا رأينا المدينة تصبح قبلة العلماء ومحط طلاب الفقه والتفسير والحديث والمغازي. فما من فقيه أو محدث أو طالب للأجناد إلا ونراه يقصد مدينة الرسول الأعظم ليتصل بصحابته وينال بغيته.

تساهل في التحليل

نرى فقهاء المدينة يتساهلون في تحليل الغناء بعكس فقهاء الشام والعراق. ولم يبق منهم شريف ولا دنيء يتحاشى عنه حتى الصحابة والزهاد كان يعجبهم الغناء ويهتزون له. كان حسان بن ثابت إذا سمع عزة الميلاء يبكي. وكان أبو السائب المخزومي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان مع هذا ينحرف عن محرابه ويسمع غناء ابن سريج ثم يعود لصلاته. وهذا عطاء ابن أبي رباح الذي هو من أعلم أهل المدينة وأزهدهم كان يسمع الغناء ويهتز له. وقد حُكِّم بين الغريض وابن سُرَيْج فحكم للثاني. ومر بالأوقص المخزومي قاضي المدينة سكران وهو يتغنى بليل فأشرف عليه وقال: (يا هذا أتيت حراماً، وأيقظت نياماً، وغنيت خطأ. خذه عني) وأصلح له الغناء.

على أنه ظهر فتيات من الطبقة الأرستقراطية مثّلن الفضيلة والعفاف والشرف بأجلى مظاهرها. يتجلى لنا هذا في السيدات سكينة بنت الحسين، وعقيلة بنت عقيل بن أبي طالب، وعائشة بنت طلحة وغيرهن كثير.

قصة سكينة بنت الحسين

فسكينة بنت الحسين ذكر جمع غفير من المؤرخين أمثال ابن عساكر وابن النديم وابن الجوزي وأبو الفرج الأصفهاني وابن عماد الحنبلي وابن خلكان والسيد محسن ألعاملي والأستاذ عمر رضا كحالة والسيد المقرم والشيخ الأعلمي والشيخ ألقمي وغيرهم من الكتاب والمؤرخين، أجمع العديد على أن السيدة سكينة -عليها السلام- كانت غاية في الفصاحة والذكاء والكمال والسخاء، وإنها كانت عظيمة الشأن جليلة القدر ومن خيرة محدثات وقتها، وقد جاء في روايات عديدة أنها روت عن أبيها الحسين -عليه السلام- الذي كان يحبها حبا جما، وكانت المثل الأعلى في العفاف والنبل والشرف والحشمة والوقار، وفي نفس الوقت يحضر ببابها الشعراء والفقهاء ورواة الحديث والعلماء والزهاد، حتى المغنين والمضحكين، فتأذن لمن تشاء منهم فيدخلون صالتها المعدة للاستقبال، وتعقد مجالس العلم والأدب في دارها، وتشارك هي في تلك المجالس من وراء ستار. وقلما كان تخلو دارها من شعراء يطلبون صلتها، أو رواة يحتكمون إليها، أو علماء يتجادلون بحضرتها، أو فقهاء يأخذون عنها. أو أشعب يضحكها أو مغنٍّ يطربها. وهكذا شاركت الشعب في أفراحه وأتراحه وترفعت عن تبذله وخلاعته.

الخلاف في الحكم

أما الخلاف في حكم الغناء فقديم، بدأ العلماء في الكتابة فيه ضمنا في كتبهم ورسائلهم أو بإفراد فصول من كتاب، وعدّ الدكتور إحسان عباس من الفصول ما ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين ولخصه النويري في نهاية الأرب، وما جاء في عوارف المعارف للسهروردي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، ومن المصنفات ذم الملاهي لابن أبي الدنيا، وذم الغناء والمنع منه لأبي الطيب الطبري، والسماع لابن القيسراني، والسماع والرقص لابن تيمية، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيثمي، وإيضاح الدلالات في سماع الآلات لعبدالغني النابلسي.

الغناء الملهي

غير أن أشهر المؤلفات التي كان عليها المعول في سجال التحريم والإباحة رسالة ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456هـ، 1063م، وتستمد أهميتها في أنها «فتحت الباب أمام توهين الأحاديث التي وردت في ذم الغناء والنهي عنه»، ولذلك يقول في مقدمة رسالته في الغناء الملهي: أمباح هو أم محظور؟ إنه قد وردت أحاديث بالمنع منه وأحاديث بإباحته، وهو سيذكر الأحاديث المانعة منبهاً على عللها، ويذكر الأحاديث المبيحة له منبهاً على صحتها.

الغناء في مجلس هارون الرشيد

غنى إبراهيم الموصلي الرشيد يوما:

يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا

زدت الفؤاد على علاته وصبا


واللحن فيه لرجل من أهل الكوفة يقال له عزون، فأعجب به الرشيد وطرب له واستعاده مرارا، فقال له الموصلي: يا أمير المؤمنين فكيف لو سمعته من عبدك مخارق (أحد المغنين)، فإنه أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعا ويفضلني، فأمر بإحضار مخارق فأحضروه فقال له الرشيد غنني:

يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا

زدت الفؤاد على علاته وصبا


فغناه إياه فبكى، وقال سل حاجتك، قال مخارق: تعتقني يا أمير المؤمنين من الرق وتشرفني بولائك، أعتقك الله من النار، قال: أنت حر لوجه الله، أعد الصوت، قال: فأعدته فبكى، وقال: سل حاجتك، فقلت يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلتها، فقال قد أمرت لك بها، أعد الصوت فأعدته فبكى، وقال: سل حاجتك، فقلت يا أمير المؤمنين بمنزل وفرشه وما يصلحه وخادم فيه، قال ذلك لك، أعده، فأعدته فبكى، قال: سل حاجتك، قل حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوءٍ فداءك، قال: فكان إبراهيم الموصلي سبب عتقه بهذا الصوت.