في السفح الشمالي لجبل الحمر، على الضفة اليمنى لوادي نجران من الجهة الجنوبية بين قريتي القابل والجربة، تقع مدينة الأخدود الأثرية، والتي كان يطلق عليها قديماً اسم «ظربان». تنبسط المدينة في أرض توسطها حوض وادي نجران الممتد من الغرب إلى الشرق، حيث تتجمع فيه المياه وتكثر به العيون والآبار، ما أسهم في تكوين حقول زراعية خصبة ووافرة.

واكتسب موقع الأخدود شهرة كبيرة بوصفه مدينة رئيسة تقع على طريق القوافل التجارية البرية، وهمزة وصل بين تجارة الجنوب والشمال تجتمع فيها أسباب الراحة والأمان. ولم يكن موقع الأخدود قديما محطة تمر بها القوافل التجارية فحسب، بل كان من أهم أسواق العرب التي يضرب الناس إليها أكباد الإبل طلبا للرزق.

حادثة الأخدود

ترجع تسميتها إلى الأخدود الذي خدّه الملك الحميري ذو نواس وأحرق فيه نصارى نجران كما ذكر في سورة البروج «قتل أصحاب الأخدود».

وتعود حادثة الأخدود إلى ما قبل أكثر من 1500عام، وذهب ضحيتها الآلاف من أبناء المنطقة في محرقة عظيمة، حيث انتقم منهم ذو نواس، آخر ملوك التبابعة لرفضهم الإشراك بالله والتحول عن ديانتهم النصرانية إلى اليهودية.

التنقيبات الأثرية

يذكر الكاتب والباحث محمد آل هتيلة أن «اسم الأخدود لم يعرف إلا في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي من خلال المؤرخين، وأول من ذكر ذلك الهمداني حين تكلم عن قبيلة بني الحارث بن كعب، وإلا فإن اسمها الحقيقي هو «ظربان»، وهذا ما أكدته النقوش التي تمت قراءتها من مدينة الأخدود، حيث إن أعمال التنقيبات الأثرية في الموقع خلال المواسم السابقة كشفت عن النقوش المسندية المهمة، منها ما كتب على مسلات حجرية كبيرة الحجم، وأخرى على ألواح برونزية ذات طابع نذري، وتأتي أهمية تلك النقوش كونها جديدة، وأنها تأتي على ذكر معطيات تاريخية جديدة تبرز أهمية موقع الأخدود قديما ودوره على الطريق التجاري القديم الرابط بين ممالك جنوب الجزيرة العربية وشمالها ووسطها، وأن تاريخ تلك النقوش يمتد تاريخيا من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن السادس الميلادي».

اكتشافات أثرية

يضيف آل هتيلة «وما يزيد من أهميتها هو إتيانها على ذكر عدد من الكيانات السياسية التي سكنت موقع الأخدود خلال النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، فضلا عن تفاصيل أخرى تتعلق بأهمية مدينة الأخدود الدينية بوصفها من الأماكن الرئيسة التي اختصت بعبادة الإله ذي سماوي، إله نجران، وفيها يقع مجمعه الديني المعروف باسم «الكأبة» ومن ضمن الموجودات التي عثر عليها داخل الأخدود المسكوكات ومنها الكنز، والذي يعد أول كنز يكتشف في الجزيرة العربية من خلال التنقيبات، ويعود لفترة ما قبل الإسلام وهو عبارة عن جرة فخارية مليئة بالعملات الفضية، وتبين أنها تعود إلى الملك القتباني «يدع أبينف» الذي حكم النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، كما يظهر ذلك على وجه العملة من اسم القصر الملكي في تمنع، ورمز المعبود «أمبير» وعلى ظهر العملة تظهر صورة الملك وعلى أخرى يظهر الوجه رمز واسم القصر الملكي الحميري «ريدان» بظفار، واسم الملك «عمدان بين» وعلى الظهر وجه ورمز، وتظهر أسماء ملوك حميريين على عملات أخرى عددها ثلاثة آلاف عملة، منها 1200 عملة قتبانية، وحوالي 1800 عملة حميرية، وأهميتها تأتي على ذكر ملوك ترد اسماؤهم لأول مرة، بل إن بعضهم لم يعرف سوى من هذه العملات فقط، ومن ضمن العملات التي تم العثور عليها درهم أموي مسكوك في أواسط سنة 85 هـ 704 للميلاد في عصر الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، ودرهم أموي مسكوك في سنة 120هـ 738 للميلاد في عصر الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، ودرهم عباسي مسكوك في مدينة السلام بغداد سنة 187هـ 803 للميلاد في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد، ودينار عباسي مضروب في مصر سنة 249هـ 863 للميلاد في عصر الخليفة العباسي المستعين بالله، وفلس عباسي مضروب في دمشق سنة 304هـ 916 للميلاد في عصر الخليفة العباسي المقتدر بالله، وفلس أيوبي مضروب في دمشق سنة 500 هـ 1107 للميلاد في عصر سلطان ابن أيوب».

تجارة القوافل

ذكر الباحث التاريخي الدكتور محمد الحاج أن «مدينة الأخدود تحظى بأهمية اقتصادية، فقد كان موقع «ظربان» متقدما ورئيسا لتجارة القوافل البرية القادمة من جنوب الجزيرة العربية الأمر الذي جعل منها مدينة تجارية مهمة وسوقا للقوافل التجارية سواء القادمة من الجنوب نحو الشمال أو القادمة للتجارة من الشمال، وكنوز العملات الفضية القتبانية والحميرية دلالة على ذلك والتي عثر عليها مؤخرا خلال أعمال التنقيبات الأثرية، وتمتد تاريخيا من نهاية القرن الأول قبل الميلاد حتى نهاية القرن الثاني الميلادي».

المعابد الدينية

يضيف الحاج: من الناحية الدينية كان موقع الأخدود المركز الرئيس لعبادة ما سموه»الإله ذي سماوي«صاحب رجمة، وفيه يقع أهم معابده الدينية في نجران المسمى «الكأبة» الوارد ذكره في كثير من نقوش هذه المجموعة بوصفه المكان الذي تصدر عنه التشريعات، ومن هذا المكان انتشرت عبادة الإله «ذي سماوي» جنوبا باتجاه مدن الجوف، فضلا عن وجود معبودات أخرى كان لها مكانة مهمة في موقع الأخدود قديما مثل الإله ود إله الحب والرحمة والحماية، وعثتر، إلمقه، اللات، وذات عدنم، وغيرها من المعبودات، وهو ما دلت عليه نقوش الأخدود نفسها، وفي العصور الميلادية المتأخرة كانت مدينة الأخدود من أولى المناطق التي دخلتها الديانات السماوية واليهودية والمسيحية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مركز للمسيحية في الجزيرة العربية حتى مجيء الإسلام.

سوق تجاري

ومن الناحية السياسية يقول الحاج «قامت عليه مدينة ظربان حاضرة مملكة مهأمر الوارد ذكرها في نقوش القرن السابع قبل الميلاد كمملكة منافحة لسبأ ثم مملكة أمير إبان حكم ملكها «هوتر عثت بن مسك» في الفترة الواقعة بيت القرن الرابع إلى الثالث قبل الميلاد، فضلا عن شعوب أخرى استوطنت الموقع ولعبت دورا كبيرا في علاقاته السياسية مع شعوب جنوب الجزيرة العربية وغيرها، مما جعل من موقع الأخدود قديما مدينة عظيمة وسوقا تجاريا مهما في جزيرة العرب، فشيدت به مختلف المعابد والكنائس والقصور ومنازل العامة والخاصة والأسواق، لذا حرص ملوك سبأ دوما على ضم نجران وأبرزها موقع الأخدود، إذ قامت مدينة «ظربان» منذ القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي».

النقوش المسندية

يقول الحاج «لا شك أن موقعا بحجم وأهمية الأخدود كان له اسمه القديم في النقوش العربية المسندية، وهو ما أظهرته نتائج الاكتشافات النقشية الأخيرة في الموقع، وتحديدا فيما يعرف بالحصن من أن الاسم القديم له هو مدينة ظربان حاضرة مملكتي مهأمر وأمير خلال عصور ما قبل الميلاد، حيث بلغ عدد نقوشه التي شملتها الدراسة 83 نقشا مسنديا تمتد تاريخيا من حوالي القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن السادس الميلادي، أقدمها النقش «الأخدود1» المكتوب بخط سير المحراث أو الطريقة الحلزونية، وهي الطريقة التي يكتب فيها السطر الأول من النقش من اليمين نحو اليسار ثم العكس من اليسار نحو اليمين، وهكذا حتى نهاية النقش».

تسجيل اليونسكو

رغم ما يحظى به موقع الأخدود «ظربان» قديما، واعتباره معلما تراثيا سياحيا عالميا، يرى المهتمون في الجانب التراثي في منطقة نجران أهمية تسجيل الأخدود في منظمة اليونسكو العالمية ضمن التراث العالمي، بصفته واحدا من مواقع أقدم الحضارات وأعرقها على مستوى العالم.

الأخدود

- ترجع تسميته إلى الأخدود الذي خدّه الملك الحميري ذو نواس

- عرف اسم الأخدود في القرن الـ10 الميلادي

- الاسم الحقيقي والأسبق للموقع هو «ظربان»

- تاريخ النقوش التي وجدت فيه تمتد بين القرنين الـ6 قبل الميلاد والـ6 بعد الميلاد

- 83 نقشا مسنديا ظهرت في الموقع

- الموقع يؤكد أن المدينة أثرية وكانت سوقا للعرب