في إحدى مجمعات المطاعم والبوفيهات للطلبات الخارجية، توقفنا بجانب محل (كوفي)، وإذا بأحد العاملين في الكوفي يصرخ بصوت المتفائل، (والله إنت أول زبون محترم يجي لنا من برا)، وهو يخاطب أحد الشباب السعوديين، وبعدها اقتربنا من عامل المقهى هذا، وسألناه عن سبب فرحته العارمة هذه والتي جعلته يعبر عن مشاعره بهذه الطريقة، وإذا به يخبرنا أن صاحب المقهى هذا ينبه على العاملين بالمقهى من عدم السماح للزبائن من خارج المحل باستخدام جلساته، ومع ذلك نسمح لهم بالجلوس تقديرا لعدم وجود جلسات أخرى في تلك المطاعم والبوفيهات، ولكن وللأسف يأتي الزبون ويأكل وهو يعلم أن ما قمنا به ليس سوى تعاون معه، وبعد الانتهاء من أكله يترك بقايا ومخلفات أكله على الطاولة، وبعد أن يذهب فعلينا تنظيفها فورا، ما نريده هو رد الجميل لنا بقيام الزبون بتجميع مخلفاته من على الطاولة بعد الانتهاء من أكله احتراما لوقتنا وجهدنا.

وبعدها ذهبنا إلى إحدى محلات العصائر وكنا في طابور قصير لا يتعدى ثلاثة أشخاص في الانتظار، وكان عامل محل العصائر يعمل بكل طاقته لمواكبة الطلب، وإذا برجل يقف على باب المحل، ويقول «وش هذي الزحمة كلها، أنا مستعجل بالله يا محمد واحد عصير برتقال بدون سكر ومع ثلج»، والغريب أن عامل العصائر استجاب له وأخذ المبلغ من يده وبدأ في طباعة الفاتورة، وكل ذلك حفاظا من عامل العصائر على كرامته التي قد تجرح بسبب أنه لم يقدر وقت هذا «المستعجل». وبعدها بشارعين توقفنا عند بقالة تسبق أحد المتنزهات الطبيعية، وإذا بنفس الرجل هذا يسقط على المتسوقين مرة أخرى ويقول لعامل البقالة «أنا مستعجل جدا»، وأخذ أغراضه مجبرا العامل على مجاملته على حساب الآخرين، فقط لأن احترام الآخر لا يظهر في تعامل هذا الشخص مع أبناء بلده فما بالك بالأجنبي، وبعدها بدقائق تقابلنا مع الرجل نفسه مرة ثالثة، في المتنزه وقد افترش الأرض ليبقى هناك مع أطفاله وزوجته إلى آخر الليل، وهذا سبب «مستعجل بسرعة يا صديق»، وليس في انتظاره عملية جراحة مخ وأعصاب أو ما في حكمها.

هذه الأمثلة جميعها تحدث يوميا وأمامنا، فما هو السبب؟ هل أصبحنا نفتقد لأساس التعامل وهو الأدب والاحترام، هل تربينا على هذه الأشياء لأننا رأينا من يكبرنا سنا يقوم بها فأصبحت أساس تعامل لنا، هل نسينا كيف كان حال آبائنا وأجدادنا قبل فترة ليست ببعيدة مما يعانونه من فقر جعلهم يواجهونه بالقبول بجميع الأعمال الشاقة، كتنظيف المناجم والفحم وحمل عدة المهندسين الأجانب، حتى سلال «عصي الجولف» ومع ذلك لم يتعرضوا لهذه الأذية، كما يتعرض لها الوافد لدينا، هل سبب احتياج هذا الوافد جعلنا نظهر على حقيقتنا، فكيف سيكون تعاملنا مع أسرتنا وأطفالنا.

نظرة للسماء: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا ينام، فكن كما شئت، كما تدين تدان).