قبل البدء بالتعرض لمضمون مسرحية «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» لسعد الله ونوس، تجدر الإشارة إلى أنها بسبب من طبيعة موضوعها تقدم نفسها ككل متحد شكلا ومضمونا «... لا انفصام فيها بين البناء والرؤية مما اضطرنا – ونحن نضع باعتبار ما يفرضه الارتباط الجدلي بين الاثنين – إلى الاقتراب من حدود المضمون أثناء حديثنا عن الأسلوب الفني، وبالذات عند تناولنا لأوجه التشابه أو الاختلاف ما بين شكل العرض المسرحي لدى ونوس من جهة وشكله لدى كل من بريخت وبيسكاتور وبيترفايس من جهة أخرى، وسيبقى الهدف لاستعراض مضمون المسرحية والموقف الفكري المتحقق من خلالها بشيء من التفصيل. منذ أعماله الأولى وجه سعد الله ونوس اهتمامه لمعالجة قضايا ذات طابع إنساني عام لا يرتبط بمكان وزمان معينين كقضية الحرية ونمط السلطة وطبيعة العلاقة التي تنتظم المحكومين بالحاكم وغيرها من قضايا. في«حفلة سمر من أجل 5 حزيران» يتجه مؤلفنا إلى التخصيص بدلا من التعميم ويركز اهتماماه على معالجة قضية واحدة هي هزيمة الخامس من حزيران طامحا إلى «... إدانة كل النظم والتيارات والتقاليد... وجميع ترسبات الماضي...» ومقدما في النهاية تصوره لمواجهة الهزيمة، وحين يفعل سعد الله ونوس ذلك ينتهج أسلوب الكشف عن الأسباب التي أدت إلى هزيمة حزيران سواء منها الأسباب المتصلة بالسلطة أو تلك التي تتصل بطبقات أو فئات معينة من الشعب دون أن يجرد المسرح من مسؤوليته بالمشاركة في الإعداد للهزيمة أو تكريسها، ولعل واقع تردي الحركة المسرحية في العالم العربي وعجزها عن النهوض بأعباء وظيفتها الاجتماعية المرجوة عبر ظرف عصيب كهزيمة حزيران هو الذي دفع ونوس إلى تخصيص جزء من مسرحيته لمعالجة هذه الوظيفة الاجتماعية، وذلك من خلال طرحها ضمن تعارض وجهات نظر كل من المخرج والمؤلف.

فالمخرج يتعامل مع المسرح بصفته وسيلة إعلامية تنهض بأعباء مهمة الترفيه، وبمعنى آخر يتولى المسرح مهمة التنفيس عن مشاعر الغضب في نفوس الجماهير دون أن يغفل جانب المشاركة في الأحداث المهمة مثله كمثل «... كل المؤسسات الثقافية التي لا بد أن تثبت وجودها في الأزمات». وبناء عليه لا بد من إسباغ صفة البطولة على الحدث الحيزراني بصفته هزيمة مشرفة. على النقيض من موقف المخرج يتجلى موقف المؤلف وفهمه للوظيفة الاجتماعية للمسرح ممثلة في»... البحث عن الحقيقة قبل أي اعتبار آخر«إضافة إلى قناعته بضرورة التعامل مع المسرح على».. أنه مسرح لا يقنع بما هو كائن.. بل يؤمن بقدرة الإنسان على تغيير حياته إلى حياة أفضل«إيمانه هذا هو الذي أوحى إليه بحجب مسرحيته التي سبق واتفق عليها مع المخرج عن العرض.

يتضمن القسم الأول من المسرحية كشف النقاب عن الأساليب التي تمارس من خلال وسائل إعلام تزيف الحقائق، وتكرس أنماطا متخلفة من القيم.

في المشهد الذي يمثل بداية الحرب يجري تصوير جماهير وكأنها قطعان حائرة مضيعة الخطوات، تحكمها فوضى الفزع، دون أن تتوصل إلى إدراك ما يحدث.

في القسم الثاني من المسرحية يعمد ونوس إلى الكشف عن وجهات نظر الناس ذاتها تجاه حدث هزيمة حزيران، وهو إذ يفعل ذلك يختار نماذج متعددة تمثل طبقات المجتمع وفئاته المختلفة لكي يمنحنا فرصة التعرف على مختلف الآراء ومن مصادرها الأصلية ويلفت نظرنا هنا إجماع آراء الجمهور، بالرغم من انتماءاتهم المتباينة، على رأي واحد. الرأي والموقف يتجاوز الحقيقة التاريخية بإلغائه للفوارق الطبقية ممثلة باختلاف مصالح الطبقات وأيديولوجياتها. سعد الله ونوس اقترب في مسرحيته هذه من بيترفايس لدرجة التأثر به سواء من حيث الأسلوب الفني خاصة، من خلال اشتراكهما في طرحهما لقضايا العصر. مسرح بيتر فايس يمتاز في كونه يقف «... ضد الدراما التي تعرض اليأس والغضب». علاوة على ما يؤكده فايس «... أنه مهما كانت درجة تعقيد الحقيقة فإنه يمكن دائما تفسير تفاصيلها بوضوح».

1980*

* روائي وأديب كويتي «-1940 2018».