احتفلنا بيوم المرأة العالمي منذ أيام، ودار الحديث عن الإنجازات والأرقام والقفزات التي شهدناها بتمكينها على أرض الواقع... ولكن الخطاب الحقوقي النسوي في السنوات الأخيرة وقف بين اتجاهين رئيسيين هيمنا بصفة متتابعة على الخطاب الاجتماعي والسياسي:

كان أولهما، نموذج «المرأة والتنمية» الذي برز منذ الخمسينيات وتركز حول فكرة مشاركة المرأة في العملية التنموية، ومنحها حقوق المواطنة الكاملة والمساواة القانونية التامة لتأهيلها للقيام بدورها الاجتماعي... ولكن التحدي في هذا الخطاب أنه يحول موضوع حقوق المرأة إلى آليات وحلول لسد الفراغ المتولد عن تعطيل نصف المجتمع عن القرار والمسؤولية، انطلاقا دوما من خلفية تحكم الرجل وقيادته للعملية التنموية والنشاط العمومي.

ثانيهما: نموذج «النوع» gender الذي يعني التمييز بين الفوارق البيولوجية بين الرجل والمرأة التي يبنى عليها عادة خطاب التمييز ضد المرأة والفوارق الثقافية المجتمعية التي هي الصور والعقليات والمسلكيات التي ينتجها النظام الاجتماعي ويمنحها قوة فاعلة، في حين أنها في الحقيقة مظهر لعلاقات هيمنة وتسلط ليست طبيعية ولا تلقائية وليس لها شرعية ذاتية...

ومن هنا تجاوز مفهوم إشراك المرأة في التنمية إلى اعتبارها عنصرا محددا وفاعلا تأسيسيا في النظام الاجتماعي وشبكة العلاقات التي يقيمها في الواقع.

إن التمييز ضد المرأة قرائي لا يتعلق فقط بكونه استغلال لمكون إنساني معين، وإنما هو مظهر من مظاهر الاختلالات القائمة في المجتمع بكامله... وهذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها، فقهر المرأة لا يمكن فهمه إلا في إطار التقويم الشامل للنظام الاجتماعي السلطوي الذي يقوم على السيطرة والقمع، حتى ضد الرجل.

فالمساواة القانونية الشكلية هي في أساسها لا تضمن العدالة الكاملة، لأنها تنطلق من مسلمة خاطئة هي تماثل مواقع الأفراد مسبقا في النظام الاجتماعي وتماثل الفرص المتاحة لهم ابتداء. إن التحرر الفعلي للمرأة لا يكون بمجرد منح الحقوق القانونية وإنما بمنح الإمكانات الفعلية والعملية، وذلك بقياس العدالة الاجتماعية لا بالحقوق وإنما بالإمكانات العملية للفعل والإنجاز وفق محددات ووظائف عينية وملموسة functionings هي الآثار القابلة للتقدير والقياس في نتائج ظاهرة.

إن الاعتراف بكرامة المرأة اليوم هو المرجعية الأولى والجوهرية للمساواة الحقوقية في الحياة، فالكرامة ومفهومها ليسا مجرد معيار أخلاقي بل هما بالأساس خلفية الصورة الاجتماعية والثقافية التي تتأسس عليها كل المدونات والمعايير الأخلاقية والقانونية في أي مجتمع... وتمكين المرأة من الوصول إلى مراكز القرار والمسؤولية بما فيها مراكز الهندسة الاجتماعية والتخطيط الثقافي والمجتمعي، فمن غير هذا النفاذ والتمكين إلى مركز القرار تصبح مشاركة المرأة مجرد تمثيل شكلي في مواقع الحكم والتيسير دون انعكاس حقيقي على وضعيتها الاجتماعية الفعلية بالوطن.

أخيراً، تمكين المرأة هو انتصار لكرامة الإنسان والوطن وهو ليس بترف، فلا يمكن أن نبني أوطانا بعناوين عريضة شكلية مفرغة من محتواها الحقيقي، عناوين لا تجسد حقيقة وضع المرأة بالمجتمع! ولكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن هو: هل نحن حقيقية في جاهزية لمواجهة أنفسنا وتصحيح ما يجب تصحيحه بنكش الجذور وطرح الحلول الحقيقية للمشكلة؟