نشرت مجلة أمريكان إنترست في 4 يناير 2015 مقالا بعنوان "القوى السبع العظمى" The Seven Great Powers، قامت فيه بوضع قائمة لأكبر سبع قوى عظمى في العالم، وكانت المفاجأة اختيار المجلة للسعودية ضمن القائمة (رقم 7 خلف الولايات المتحدة، ألمانيا، الصين، اليابان، روسيا، الهند على التوالي). ويعد مثل هذا الاختيار أمرا لافتا، خاصة أنها مجلة رصينة نجحت في استكتاب عدد لا بأس به من كبار المفكرين والمحللين، وإن كانت مجلة تنحو في خطها التحريري نحو آراء التيار المحافظ واليميني بشكل واضح.

المجلة في معرض شرحها لهذا الاختيار بررت بالقول: إن القوى العظمى تظهر من خلال الإنجازات، فهناك دول في العالم أكبر مساحة وأكثر كثافة سكانيا وأقوى عسكريا ومتقدمة تقنيا عن السعودية، لكنها لا تملك قدرة المملكة على تغيير موازين القوة الجيوسياسية في محيطها أو التأثير على الاقتصاد العالمي، بنفس الشكل الذي قامت به المملكة.

ويعلل المقال بأن السعودية صدمت العالم عام 2013 بدعمها لثورة 30 يونيو في مصر ونجاحها منفردة في تغيير دفة التوجه الغربي نحو الوضع المصري في حينها، ثم في عام 2014 فاجأت السعودية العالم مرة أخرى بهندستها السياسية والاقتصادية عقب انخفاض أسعار النفط العالمي، ولأن تقوم دولة بهاتين المسألتين في غضون عامين مع ما لحق الأمر من تبعات جيوسياسية يجعل المملكة بلا شك لاعبا ذا ثقل على المسرح السياسي العالمي، وعلى السياق نفسه يمكن إضافة المفاجأة السعودية في عام 2015 المتمثلة بإنشاء وقيادة التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن.

الانفتاح السعودي الأخير تُجاه روسيا يمكن النظر له ضمن هذه السلسلة من القرارات التي تحمل تبعات تغيير جيوسياسي، فالمملكة وروسيا شكلا خلال الأعوام الثلاثة الماضية نقطتين على طرفي نقيض فيما يتعلق بالموقف من أحداث المنطقة، لم يلتقيا سوى لبرهة في الموقف من مصر ما بعد 30 يونيو. وشكل كلاهما في الملف السوري طرفي المعادلة الدولية التي ترتكز عليهما الفئات المتصارعة، وأظهرت روسيا أوراقا تفاوضية مهمة فيما يتعلق بإيران سواء ملف المفاوضات النووية أو من خلال الإعلان عن إعادة صفقة بيع صواريخ S-300 لها، من جهة أخرى أظهرت المملكة أوراقها التفاوضية من خلال ملف أسعار النفط ودعمها المتزايد للمعارضة السورية وقدرتها على التدخل العسكري عقب عاصفة الحزم. على قدر التناقضات التي تحملها العلاقة السعودية الروسية، فإن مساحة التقارب كبيرة نظرا لامتلاك كل طرف أوراقا مهمة يرغب فيها الطرف الآخر.

روسيا تعي أن الصفقة النووية بين الغرب وإيران، ستعني انفتاح إيران على الغرب سياسيا واقتصاديا، وهو ما يخصم من رصيدها حيث طالما احتكرت ملف إيران ووجهته لمصالحها، ومن ثم فإن موقف روسيا من إيران مرهون في واقع الأمر بقدرتها على إيجاد بديل أكثر جاذبية يفتح لها المساحة السياسية التي كانت تمثلها إيران لها. وتاريخيا وجيوسياسيا، لم تكن روسيا تنظر لإيران على أنها حليف بقدر ما كان الأمر توافق مصالح، فإيران تظل خطرا استراتيجيا على المحيط الروسي الأهم في منطقة بحر قزوين ووسط آسيا. كما أن سورية لا تمثل لها سوى ورقة تفاوضية مع الغرب، فلا القاعدة العسكرية لها في (طرطوس) ذات أهمية حقيقية -ويمكن الاستعاضة عنها بقبرص على سبيل المثال- ولا بشار الأسد يخدم مصالحها فيما يتعلق بسوق النفط أو في العلاقة مع الدول العربية. روسيا تبحث عن بديل والمملكة تبحث عن شريك يساعدها على علاج الوضع السوري.

الحليف الرئيس لروسيا في المنطقة هو إسرائيل، الرئيس الروسي بوتين زار المنطقة عدة مرات مؤخرا ولم يتوقف سوى في إسرائيل والأردن وتركيا، بينما لم يزر خلال مدته الرئاسية الثالثة إيران أو سورية، وهي رسالة واضحة بشأن علاقته مع تلك الدول. العلاقة الروسية  الإسرائيلية عميقة رغم عدم بروز ذلك على السطح، وهي قائمة بالأساس على تعاون عسكري كبير يعضده واقع أن خمس سكان إسرائيل يهود من أصول روسية "ولا يزالون محافظين على لغتهم وتقاليدهم واتصالاتهم بروسيا"، وإسرائيل رغم تحالفها الكبير مع الغرب كان موقفها محايدا في أزمة أوكرانيا. أبرز أوجه التعاون العسكري بين الدولتين هو في مجال الطائرات من غير طيار، حيث تعد التكنولوجيا الإسرائيلية متقدمة في هذا المجال، ففي 2010 وقعت روسيا اتفاقية لشراء 15 طائرة، وعندما أعلنت روسيا نيتها بيع صواريخ S-300 لإيران، كانت إسرائيل –حسب عدد من المصادر– أحد أهم من ضغط على روسيا لإيقاف تنفيذ هذه الصفقة, لكن ما يغيب عن الكثيرين هو أنه كان للمملكة دور كبير في تجميد تلك الصفقة، فالعلاقة السعودية  الروسية ليست وليدة اللحظة، وإن كانت مرت بمرحلة تجاذبات نتيجة تطورات الأوضاع الدولية والداخلية على السواء. فصفقة الصواريخ الروسية لإيران التي تم الإعلان عنها في2007 تزامنت مع العام الذي زار فيه الرئيس بوتين المملكة في أول زيارة رسمية لرئيس روسي على الإطلاق. ومنذ ذلك التاريخ وحتى الإعلان عن تجميد الصفقة في 2010 شهدت العلاقات بين البلدين سلسلة من الشد والجذب كان محور التحركات السعودية فيها الأمير بندر بن سلطان الذي زار موسكو في يوليو 2007 ثم في يوليو 2008 وهي الزيارة التي شهدت توقيع اتفاقية للتعاون العسكري والتقني بين المملكة وروسيا، ثم التقى الأمير بندر بالرئيس بوتين في سبتمبر 2008 بمدينة (استراخان) وأعلنت المملكة في حينها تفهمها للموقف الروسي في الحرب على (جورجيا)، وشهدت هذه الزيارة لقاء الأمير بمسؤولي الاستخبارات وهيئة تصدير السلاح الروسية، وتواترت الأنباء عن تفاهمات حول صفقات سلاح كبيرة بين البلدين إضافة إلى منح الشركات الروسية حصة كبيرة في مشاريع التنمية السعودية. لكن يبدو أن تلك التفاهمات –لأسباب لم تتضح إلى الآن– لم تمض، فجمدت صفقة السلاح المزمعة وانقلب الوضع واستمرت العلاقة بنوع من التوتر أو التنافس المكتوم.

بعد الربيع العربي عادت العلاقات السعودية الروسية لمرحلة جديدة من التجاذبات والتقاطعات، وتوجه الأمير بندر إلى موسكو في يوليو 2013، وهي الزيارة التي ظهرت تسريبات تفيد أنها تضمنت عرضا سعوديا بشراء سلاح روسي بقيمة 15 مليار دولار إضافة إلى توجيه استثمارات سعودية للسوق الروسي وفتح الباب أمام الشركات الروسية في المشاريع السعودية، إضافة إلى ضمانات بعدم تحويل سورية ما بعد الأسد إلى ممر بديل لتصدير الغاز إلى أوروبا، وهو ما تحتكره روسيا. إلا أنه لم يخرج عن الطرفين أي بيان رسمي حول هذا الأمر. وعاد الأمير بندر إلى روسيا في يناير 2014 وهي الزيارة التي عقبت ثورة 30 يونيو في مصر وتم التسريب بأن الزيارة تضمنت تفاهمات سعودية روسية جديدة من ضمنها تمويل مصر لشراء سلاح روسي. لكن هذه التفاهمات – أيضا لأسباب غير معلومة – لم تمض، ثم شهدت أسعار النفط منذ يونيو 2014 انهيارا غير مسبوق. وضمن هذا السياق تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان لروسيا لتعيد فتح باب التفاهمات السعودية الروسية، وهو ما تم بتوقيع ست اتفاقيات في مجالات متعددة أهمها التعاون النووي والاستثمار السعودي في روسيا، إضافة إلى ما يبدو تفاهما حول سورية وسوق النفط.  عندما بدأ الملك عبدالله –يرحمه الله– في 2005 فكرة إعادة التموضع السعودي نحو الشرق من خلال فتح علاقات استراتيجية مع كل من الصين والهند، لم ينظر كثير من المحللين لأهمية روسيا في هذا المنظور نظرا لقوة الصين الصاعدة. لكن الصين الطامحة للتمدد في وسط آسيا "محيط روسيا الاستراتيجي" من خلال مشروعها (طريق الحرير الجديد) لم تقدم علاقتها مع المملكة على حساب إيران، فإيران في المنظور الصيني لها أهمية جيوسياسية تخدم مشروعها التمددي غربا، ومن جهة المملكة فإن الصين ستشكل عقبة لاحتواء إيران نظرا لأهمية إيران الجيوسياسية للصين، كما ستشكل الصين تهديدا مستقبليا لروسيا في محيطها مع تزايد تمددها غربا، وهو ما يجعل مصالح المملكة وروسيا تتقاطعان ليس فيما يتعلق بإيران وإنما في انعكاس ما يعنيه صعود إيران، وهو التمدد الصيني في آسيا  وصولا إلى الشرق الأوسط. وعليه ليس من المستبعد أن يشهد عام 2016 مفاجأة تتمثل بصفقة سياسية سعودية روسية قوامها تفاهم حول سورية وسوق النفط ودفع المصالح المشتركة بين الطرفين من استثمارات إلى تعاون عسكري وتقني. إن خطوط التفاهم السعودي الروسي واضحة، لكن المأمول ألا تقع هذه العلاقة في فخ التقلبات التي سبق أن شهدتها في الماضي، فدفع العلاقة نحو تعاون استراتيجي تستلزم الكثير من الجهد خلال الفترة المقبلة.