في السنوات الثلاث الماضية، تزايد عدد حفلات التكريم المبالغ فيها بشكل كبير في المجتمع، وهذا النوع من الحفلات يختلف عما كان عليه الوضع في السابق، حيث كان الأمر مقصورا على مناسبة اجتماعية متواضعة لقدوم، أو لمغادرة موظف جديد في إدارة أو مؤسسة ما، ويقوم بهذه المناسبة زملاء العمل، وقد يكون هناك هدية رمزية مقدمة من الجميع، أما في هذه الأيام فانتشرت حفلات التكريم على مختلف المستويات المجتمعية.

فعلى مستوى الأسرة نجد أن هناك حفل تكريم للابن أو الابنة عند الحصول على شهادة المرحلة الابتدائية، أو المتوسطة أو الثانوية، وقد يدعى لهذا الاحتفال بعض أقارب الأسرة، وزملاء المتخرج أو المتخرجة، ويكون هناك حفلة شاي ويتم تقديم الهدايا من الحضور، كما أنه على مستوى بعض المدارس يتم تنفيذ حفل التخرج في نهاية العام الدراسي في قاعات، أو استراحات، ويتم توزيع هدايا لبعض المتخرجين، أو المتخرجات، وهذه الاحتفالات لم تكن في السنوات الماضية.

ولم يقتصر الأمر على حفلات التكريم على المستوى الأسري بل انتشرت هذه الاحتفالات على المستوى المجتمعي؛ فنجد أن هناك توزيع دعوات ورقية، وأخرى من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة لحضور حفل تكريم لابن أحد الأسر بمناسبة تخرجه وحصوله على درجة البكالوريوس في العلوم النظرية، أو العسكرية، ويتم في هذا الحفل إعداد برنامج خطابي يضم بعض الكلمات، والقصائد الشعرية، والشيلات، والعرضات، وتقدم فيه الهدايا بمختلف أنواعها والمبالغ فيها للمتخرج على إنجازاته التي لم تتم بعد، وقد يكون لم يحصل على عمل، ويُدعى لهذه الاحتفالات جميع الأصدقاء، والزملاء للأسرة، وفي كثير من الأوقات تكون الدعوة عامة، ويتم أيضا هذا النوع من الاحتفال غير المبرر عندما يحصل أحد الأفراد على درجة الماجستير أو الدكتوراه، ويقوم أفراد أسرة المتخرج بالتخطيط لحفل تكريم توجه فيه الدعوة للجميع، ويتم فيه مثل ما تم ذكره في ثنايا هذا المقال من كلمات وقصائد، وهدايا، وحفل عشاء، وتقدم في بعض الأوقات مبالغ مالية من بعض الأفراد للأسرة التي أقامت هذا الحفل كمساعدة في التكاليف المترتبة على ذلك.

أما النوع الآخر من حفلات التكريم، فيتم في نهاية خدمة أي شخص بالتقاعد من عمله، وما يحدث أنه في كثير من الحالات يتم التخطيط لحفل تكريم كبير يتم في استراحة، أو قصر أفراح ويضخم هذا الحفل بشكل أكبر مما يستحق حتى يخرج عن الإطار المحدد له، ويتطلب هذا النوع من الاحتفالات أن يتم التنسيق مع بعض الشعراء لتقديم قصائد مدح في المحتفى به وفق مبالغ مالية كبيرة، ويتم إعداد "شيلة غنائية" بتكلفة عالية ليتم الرقص من قبل الحضور في أثناء تشغيلها، وتقدم كلمات، وهدايا مختلفة من الحضور مثل الدروع، والسيوف، والعطور، والمشالح، وغير ذلك من الهدايا وقد تقدم أسرة المتقاعد مفتاح سيارة له كهدية بمناسبة تقاعده، ويتم تقديم وجبة عشاء للحضور، وهذه الوجبات قد تكون مبالغ فيها، وتكلف الكثير، وينتهي بها المطاف في حاوية النفايات.

وهنا آمل ألا يُبنى الانطباع الخاطئ بأنني لا أشجع التكريم لمن يستحق، ولكنني أرى أن يسود حفل التكريم المنطقية والعقلانية، والتواضع بعيدا عن المبالغات، وأن يكون على مستويات محددة، ولا يفتح المجال، والدعوة للجميع؛ فقد يكون من المناسب أن يتم ذلك على المستوى الأسري وتوجه الدعوة للأقارب، وللأصدقاء المقربين جدا من المحتفى به، ولا يكون هناك مبالغات سواء في الهدايا، أو الحفل، وقصائده، وشيلاته، وأن يكون هذا الاحتفال في حدود المرونة المنضبطة بعيدا عن البذخ، والتبذير التي غالبا ما نراها في الاحتفالات الكبيرة غير المقننة، وينتج عن حفلات التكريم الموسعة تحمل المحتفى به ديونا كبيرة من الذين قدموا له الهدايا، وهو مطالب أن يرد الجميل سواء في المستقبل القريب أو البعيد؛ فالاختصار مطلوب ومحمود في مثل هذه الحالات، ولله الحمد والشكر والمنة الذي جعلنا قادرين على ذلك.