ضجت مواقع التواصل الأيام الأخيرة بالكثير من مشاعر الغضب إزاء ظاهرة "الهياط" أو التباهي بالكرم والعطاء، ووجدت برامج تلفزيونية من المقاطع الراصدة للظاهرة صيدا ثمينا لتقديم مادة تلفزيونية جيدة، مدعومة بعبارات الشجب والاستنكار من إنسان الشارع والمختصين في علم السلوك وبعض رجال الدين.

والحقيقة التي غفل عنها البعض أن هذه الظواهر ليست وليدة اللحظة، ولكنها تفاقمت ووصلت حدها، خصوصا أن فاعلها يعي جيدا أنه سيكون بطلا على الشاشة يراه الناس، لذلك وجب عليه المبالغة للوصول إلى أقصى درجات الإدهاش، وهذا ما حدث حين ظهر أحدهم وهو يتطرف في كرمه بسكب دهن العود على أيدي ضيوفه.

حادثة دهن العود هذه جديدة فعلا، لكن ما الفرق بين العود ودهن العود. من المؤكد أنك تعرف شخصا يصرف مئات الآلاف من الريالات على العود الذي يحرقه في أقل من دقيقة ولم ينكر عليه أحد، رغم أنها نفس المسألة، في الأولى دهن وفي الثانية خشب والسعر تقريبا نفسه. أما قضية تسمية الابن على الشخص العزيز، فهي عادة اجتماعية معروفة وما زلنا نمارسها، والفرق أن "المهايطي" الذي ظهر في هذه المعمعة تأخر قليلا في التسمية، بل تأخر كثيرا.

كل ما يحدث من "هياط" حالي هو نتاج ثقافة مجتمعية صنعتها العادات والموروث القبلي، وليست أمرا طارئا كما صورناها وصورنا معها حجم صدمتنا، فكلنا نعرف أن فئات من المجتمع اشتهرت بالكرم، وحدثوا عنها أنهم يضعون الضيف على صحن ذبيحة وحده، وقيل إنه في الزمن السابق كانت تطفأ الأنوار حتى لا يرى المضيف ما يأكله الضيف، وكنا حين نسمع مثل هذه السوالف نشعر بالفخر والاعتزاز ونبارك هذا الفعل ونتمنى أن نفعل مثله.

ليس في الأمر جديد سوى أن الموضوع زاد عن حده وأصبح تظاهرا أكثر منه كرما ونبلا، لكنها تبقى سلوكيات مقبولة في مجتمعاتنا القبلية تحديدا، ومن الصعب تجاوزها إلا بقانون رادع يحفظ النعمة من الهدر أولا ثم يضبط السلوك المجتمعي المنفلت، وقبل هذا كله يتوجب علينا الالتفات إلى إعلام الغفلة، تلك القنوات الشعبية التي تروج للقبلية والعنصرية وتشحن الأفراد بالعصبية مما نتج عنه ظهور هذه السلوكيات بشكلها المتخلف الحالي، ويجب أن تحاسب هي كذلك، وإن تم إغلاقها فهذا أمر جميل حتى لا تكون ردة ثقافية حقيقية، ندفع ثمنها مستقبلا.