الوسائل الإعلامية – الصحف تحديدا- أصبحت مؤخراً أشبه بساحات معارك مفتوحة للكثير من الإشكالات المجتمعية المختلفة والمسكوت عنها سابقا. أهريق فيها الكثير من الأحبار، ودبجت الأقلام كماً كبيرا من المقالات والآراء الفقهية، ساهم فيها الصحفيون والمثقفون وطلبة العلم الشرعي بالكثير من الرؤى، سواء كانت مع أو ضد. وما زالت لا تخبو قضية، إلا وتثار قضية أخرى، كدليل على دينامية المجتمع، واصطدامه بقضايا أُجل البت فيها كثيرا، ولم يعد ممكنا إلا مواجهتها بسبب انخراط المجتمع في وسائل الاتصال المتعددة، وانسياقا مع قفزات تنموية كبرى.
قضايا كثيرة نوقشت، وعلى الرغم من جذر مشكلتها الواحد، إلا أنها استأثرت بالعديد من الصفحات والرؤى المحتدة حيناً، والمتسامحة في أحايين أخر. وكانت الصورة تُظهر دائما تيارين متناقضين متشاكسين. أحدهما يوصم من مخالفيه بأنه ذو رأي ديني متشدد، يريد إيقاف التاريخ عند نقطة ما، ويرى قطار التحديث المسرع والمنطلق إلى المستقبل رجسا من عمل الشيطان، في مقابل رأي آخر يوصم بأنه تيار تغريبي، ليبرالي على الرغم من تذرع هذا "التيار" بآراء دينية منفتحة تراثية أو معاصرة، ليؤصل ما يذهب إليه، وليقطع على من يصمهم بـ "المتشددين" احتكارهم فهم وتأويل النص الديني، وبالتالي محاولة عزل الآراء المتشددة، وتبيان القراءات المتسامحة التي لا تقف أمام الإصلاح المنشود، والرغبات الملحة من قبل المسؤول والمجتمع في التقدم والازدهار.
وهكذا يستمر تعالي صوت الطرفين، ويبقى التراشق الكلامي سيد الموقف، مع أي نازلة ثقافية أو قضية متعددة الوجوه، دون أن تظهر بارقة حل في الأفق، أو محاولة جادة للغوص في كنه تلك المشكلات وتفكيكها إلى مكوناتها الأولى، دون اختلاق صراع تياري يوتر الأنفس ويصعب الحلول.
إن قراءة بسيطة لمجتمعات محيطة بنا، تتشابه معنا في الجذر الديني بل والمذهبي، ومحاولة لمتابعةِ أهم سجالاتهم وأسئلتهم وقضاياهم، ليلحظ المراقب أن أيا من قضايانا البدائية التي شغلت الإعلام والمجتمع لدينا، لا تشكل لتلك المجتمعات المحيطة بنا أي مادة للسجال، أو مكانا للاستقطابات والاصطفافات، أو تأخذ حيزا من كتاباتهم الصحفية وقضاياهم الإعلامية، وذلك يؤكد أن معظم إشكالاتنا هي في المقام الأول ذات روافد ثقافية، يتداخل فيها الاجتماعي بالتاريخي. ولعل هناك عوامل أخرى اقتصادية، كلها تصب في صالح النفخ في أوار تلك الإشكالات، ويبقى العامل الديني عنصرا محايداً في كل تلك الإشكالات، ولكنه الصورة النهائية لمجمل تلك الأزمات، والأداة الأقوى لفرض أي منطلق فكري.
لا يمكن بأي حال تحييد أي قراءة دينية أو فتوى ما، سواء وصفت بأنها "متشددة" أو عكس ذلك، ولا يمكن عزلها عن سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي، خاصة إذا كانت هذه القراءة أو الفتوى تمثل شرائح مجتمعية معتبرة، وليست رأيا فرديا قد يوصم بالشذوذ والمفارقة.
إن الحضارة الإسلامية والتراث الديني مليء بالآراء الفكرية المختلفة على طول التاريخ، من أقصى اليمين وحتى اليسار قراءات لها ظروفها التاريخية والسياسية والثقافية المختلفة. وما عملية استدعاء قراءة تاريخية معينة، تخص المرأة أو المجتمع أو أيا من إشكالاتنا المختلفة، والإصرار على صحتها ونفي غيرها، إلا عملية انتقائية مسبقة، وقراءة مترصدة للتراث، للتأكيد على أفكار مجتمعية مسبقة.
لذا، وجب على الدارس لكثير من تلك الإشكالات إرجاعها إلى مكوناتها الأولى الأساسية، ونزع العامل الديني المعتَسف والمتوهَّم عن هذه الصراعات، حيث إن ذلك سيساهم بكل تأكيد في التخفيف من سجالية التأويل والتأويل المضاد غير المنتهية - كما يقرر ذلك نصر حامد أبو زيد - ويسحب بالضرورة، عصا أي فتوى "صادمة"، أو أي قراءة دينية معينة، يستخدمها "المتشددون" ضد أي رأي يخالف طروحاتهم. بل ويجنب المجتمع الانخراط في اصطفافات خلف هذا الفريق أو ذاك على أساس ديني، ويثبط تلك الاستقطابات التي دائما ما تصاحب أي قرار تنموي أو تحديثي، ولربما ساهمت في تأخيره، أو على الأقل في إرهاقه بسجالات ومعارك في الفراغ.
الأيام القادمة ستكون بالتأكيد حبلى بإشكالات أخرى، قد تكون أكثر عمقا، فالتحديث لا يقف! ورغبة خادم الحرمين الشريفين في التقدم والازدهار لوطنه لا يحدها شيء، فجامعة "كاوست" وبرنامج الابتعاث والمدن الاقتصادية التي تتوزع مساحات الوطن وغيرها؛ كل تلك المشاريع الوطنية الضخمة ما هي إلا إرهاصات للقفز بالمجتمع إلى التحديث، والانطلاق ومشاركة العالم الرغبة في الحياة، وتحقيق الرفاه، والمساهمة في هذه الحضارة الإنسانية؛ كوطن يشعر بمسؤوليته ومكانته، في منطقة هي الأكثر توتراًَ وفقرا، رغم الموارد المتاحة لها، والموقع الاستراتيجي الهام، فمن يعلق الجرس؟!