في حين ينتظر الخليج، مع بقية مناطق العالم، معرفة توجهات السياسة الخارجية في عهد دونالد ترامب، تقوم منظمة معاهدة شمال الأطلسي، المعروفة بمنظمة أو حلف الناتو، بمراجعة الخيارات الإستراتيجية المتاحة لها في منطقة الشرق الأوسط والخليج، باعتبار هذه المنطقة أحد مصادر عدم الاستقرار في العالم.

تعتبر الولايات المتحدة الدولة الرئيسية في الناتو منذ تأسيسه في عام 1949، ولذلك فإن موقف ترامب من الحلف شديد الأهمية، ومع أن الرئيس المنتخب قد تواصل مع الحلف وأكد أهميته، فإن ترامب قد أثار قلق بعض أعضاء المنظمة بسبب ثنائه على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحديثه خلال الحملة الانتخابية عن إمكانية التعاون معه. وسبب القلق هو أن معظم أعضاء الناتو يعتبرون روسيا في الوقت الحاضر أكبر تحدٍّ يواجه الحلف، بسبب ما يبديه الرئيس الروسي من عداء للناتو وسعيه إلى استعادة الدور الروسي في أوروبا والشرق الأوسط. 

وقد أتاح انعقاد اجتماع لدول ما يعرف بـ"مبادرة إسطنبول" الأسبوع الماضي فرصة لمناقشة خيارات الناتو في المنطقة. وهذه المبادرة التي بدأت في عام 2004 تهدف إلى تعزيز التعاون بين منظمة معاهدة شمال الأطلسي، المعروفة بالناتو، ودول الشرق الأوسط غير الأعضاء في الناتو، وتضم في عضويتها معظم دول مجلس التعاون. وتشمل المبادرة التعاون في عدة مجالات، منها:

مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك الأسلحة النووية والكيماوية، مكافحة الإرهاب، التعليم والتدريب، التمارين العسكرية، التنسيق والتكامل بين النظم العسكرية interoperability، الاستعداد للكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، إدارة الطوارئ والتخطيط لمواجهتها، أمن الحدود والمياه الإقليمية، خاصة ما يتعلق منه بمكافحة تجارة المخدرات، وتهريب الأسلحة، وتهريب البشر والمتاجرة بهم.

وحسب طروحات منظمة الناتو في هذا الاجتماع وغيره من المنتديات، فإن التعاون مع الناتو لا يعني الانضمام إليه أو المشاركة في عملياته العسكرية والأمنية أو غيرها. لكن الناتو يطرح إمكانية الاستفادة مما حققه الناتو من تكامل بين أعضائه، فقد تكون المنظمة الوحيدة في العالم التي استطاعت تكوين قيادة موحدة بين 28 دولة في 3 قارات، والقيام بعمليات عسكرية وأمنية متكاملة بين تلك الدول.

وبالإضافة إلى إمكانية التعاون في المجالات الثمانية التي تشملها مبادرة إسطنبول، يطرح الناتو إمكانية التعاون مع مجلس التعاون في تنفيذ قراراته بتأسيس القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون، حيث قطعت دول المجلس شوطا كبيرا في تأسيس هذه القيادة التي أقرتها قمة البحرين في عام 2012، وأكدتها قمة الكويت في عام 2013. وقد دعت رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، التي أقرها المجلس الأعلى لمجلس التعاون في ديسمبر 2015 إلى سرعة تشكيل هذه القيادة الموحدة. ولذلك فإنه من المتوقع أن ترى النور قريبا. ونظرا إلى أن الناتو يعتبر أكثر قيادة موحدة نجاحا، فإنه يطرح على مجلس التعاون إمكانية الاستفادة من تجربته الطويلة على مدى سبعة عقود في القيادة الموحدة.

ومما ليس معروفا على نطاق واسع هو أن منظمة الناتو منظمة سياسية مثلما هي عسكرية وأمنية، ولذلك فإن الناتو يطرح إمكانية عقد حوار سياسي مع مجلس التعاون، فالناتو يشاركنا الحرص على تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والخليج، ويقلق مثلنا من زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتفشي الأيديولوجيات الشمولية فيها. ويشترك مع المجلس في تقييم معظم الأخطار التي تحيط بهذه المنطقة.

وفي رأي الناتو، فإنه ليس من الضروري أن يكون التعاون بين مجلس التعاون ومنظمة الناتو في إطار مبادرة إسطنبول، بل يمكن أن تكون من خلال إطار جديد يقوم على أسلوب التدرج واختيار أكثر المجالات فائدة لدول المجلس.

وحتى الآن فليس هناك تعاون جماعي بين منظومة مجلس التعاون ومنظمة الناتو، ولكن هناك تعاون من خلال مبادرة إسطنبول التي أشرتُ إليها، والتي تشترك فيها معظم دول المجلس. وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك تعاونا فنيا على المستوى الثنائي بين دول المجلس والمنظمة.

ومن المقرر أن يُفتتح قريبا مركز إقليمي لمبادرة إسطنبول في دولة الكويت، سيتم من خلاله توفير برامج أوسع للتعاون الفني والحوار السياسي بين الناتو ودول المنطقة.

وفي ظل الظروف السياسية المتقلبة في كبريات دول الحلف، مثل الولايات المتحدة، وفرنسا وبريطانيا، وربما غيرها قريبا، فإن منظمة الناتو أصبحت إحدى الدعائم الراسخة لأمن أعضائها، حيث تحرص المؤسسات العسكرية في تلك الدول على تحصينه من التقلبات السياسية.