تضايقت من زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في محاولته أن يكون وسيطاً في ما بين الإخوة العرب من خلاف، فكيف يكون مصلحاً من نراه يدق الإسفين، ولعل التذكير ينفع بما رواه محمد عبدالمطلب الهوني المستشار السابق لسيف الإسلام القذافي في لقاء متلفز قديم عندما سأله المقدم عما أورده في كتابه (سيف القذافي مكر السياسة وسخرية الأقدار) بما نصه: (تقول في كتابك تحدث رجب طيب إردوغان عدة مرات ناصحاً إياه بتشكيل حكومة إسلامية برئاسته وكانت آخر مكالمة بينهما.... كيف كانت العلاقة في تلك الأثناء بين إردوغان تحديداً وحزبه من جهة وسيف الإسلام والنظام عموماً في ليبيا)، فأجاب عبدالمطلب الهوني بقوله: (إردوغان مرة من المرات قال للقذافي في جلسة خاصة إنني أحتاج فقط إلى خمس سنوات أو ست سنوات لأغير النظام العلماني التركي نهائياً، وذلك بتقليم أظافر الجيش وكذلك محاولة احتواء القضاء، ويبدو أن إردوغان... يبدو أن وضع تركيا على المسرح الدولي يريد أن يستفيد من القذافي بشكل من الأشكال، ويريد أن يضع تحالفات ضد آخرين لأن القذافي سياساته كانت تآمرية.. ضد دول عربية محددة، وهذا قبل الأحداث، وتركيا قبل الأحداث كانت تقف موقفا قويا ضد الأحداث ــ يقصد في ليبيا ــ باعتبار أن سقوط النظام ـــ الليبي ـــ يفقدها تلك العقود، ولكن بعد أن تأكد أن النظام معرض للزوال، ولهذا هاتف سيف الإسلام أكثر من مرة، وقال إذا أردت أن تبقى فشكِّل حكومة على أن يكون الإخوان المسلمون جزءا منها، ثم تآمر على النظام ببعث مبادرة من نسختين عربية وإنجليزية لكن سفير النرويج نبههم للفقرة غير الموجودة التي تشير إلى عدم وجود القذافي في الحكم)، ثم أشار الهوني إلى أنه قد أشار إلى إمكانية وضع الإخوان في السفارات أو أي وزارات أخرى مع ضرورة منعهم من اقتراب المؤسسات التعليمية.

ولهذا وحسب ما أوضحه الهوني في لقائه وكتابه ما يؤكد للمراقب أن الربيع العربي كان فيه جزءان، جزء تلقائي بريء شاركت فيه الشعوب، وجزء مفتعل استثمرته مخابرات الدول في تصفية خصومها، وما يعنينا هو ضرورة ارتفاع الوعي الشعبي لدى الناس بعدم الانجراف إلى الافتعال الذي تقوده أجهزة الاستخبارات المعادية، ويبقى الفعل الذي تقوم به الشعوب بتلقائية فلن يقف أمامه سوى الإصلاح الحقيقي من الداخل وكل دولة بحسبها وإدراك نخبها للاستحقاقات التاريخية الطبيعية للتطور، وما عدا ذلك فوقوف أمام طبيعة الأشياء، فتجاهل شاه إيران للتفاوت الطبقي المريع داخل إيران رغم قوة أجهزته الأمنية صنع الثورة (الشعبية) التي أؤكد على أنها (شعبية) وليست (دينية) لأن الشعب رجالا ونساء شاركوا فيها ولم يكونوا مشغولين في أول الثورة بوضع غطاء الرأس

مثلاً ولا بتعاليم الخميني الدينية في ولاية الفقيه، ولكنها براعة الإسلاميين في ركوب ظهر الثورة منذ ذلك التاريخ، وحتى ركوب الإخوان على ظهر شباب حركة 6 أبريل في مصر، وفي مذكرات بني صدر ـ غير الإسلامي ـ الذي فاز في الانتخابات الرئاسية في إيران بنسبة 78 بالمئة من الأصوات، ما يؤكد هذا كأول رئيس بعد الثورة ثم هرب بعدها إلى فرنسا، بعد هيمنة رجال الدين على مفاصل الدولة.

أخيراً فكرة الاجتثاث للفكر أياً كان لونه ودوافعه فكرة غير مجدية، وتبقى حكمة مونتسكيو في روح القوانين خير مرشد، عندما يقول ــ وأنقل هنا من الذاكرة ــ (إن الناس تتجه إلى الدين أكثر كلما وجدوا ضعفاً من الدولة في تطبيق القوانين)، وأزيد أن ذلك يعود إلى البحث عن فكرة (المساواة) ولو بشكل نسبي، تلك المساواة التي تعتبر محور ثورات العالم التي تختفي تحت شعارات الحرية أو الدين أو الديمقراطية، أو السنة أو الشيعة، ويبقى العقائديون مجرد حطب لا يصلح سوى للنار، فلا يمكن أن يستصلح كغصن يزرع من جديد، أو حتى سارية في بناء، فنرى الشيعة يقاتلون دون عصمة أئمتهم الاثني عشر، فيتطرف بعض السنة بالمقابل فيدعون عصمة الصحابة التي لا تقبل التجريح، وبين عصمة هؤلاء وأولئك سالت دماء من أجل تاريخ يمجدونه متناسين أن هذا الزمن فيه جامعات ومستشفيات ومواصلات يعجز عنها هارون الرشيد الذي يموت الناس في زمنه من الطاعون، بل وأدنى من ذلك بالملاريا والبلهارسيا، وأقصى أماني الخليفة العباسي في السفر بعير أو فرس يقطع به الطريق لا يساوي رفاهية أقل سيارة مكيفة في العصر الحديث، فعن أي خيالات رومانسية يتحدث التراثيون، فحتى الطير الأبابيل طردت أصحاب الفيل كمعجزة، لكنها لم تطرد القرامطة كواقع يهدم ويذبح ويأخذ الحجر الأسود، ومن لا يدرك معنى المعجزة الحقيقي ولا يعرف الواقع فسيتخطفه سماسرة الخرافة في كل مذهب ودين، وما أكثرهم منذ السامري وعجله الذهبي من تبرعات بني إسرائيل، وصولاً إلى البغدادي ودولته الوهمية من تبرعات بعض المسلمين.