موعد بعد ثماني سنين، ينتظره مريض راجع مستشفاه العام، وربما جسد المثل الشعبي حال هذا المريض «ما بقي من العمر كثر ما مضى»..! المضحك المبكي أن هناك استشاريين أسميهم استشاريي «الحلم»، هؤلاء الاستشاريون يسمع بهم المريض دون أن يراهم وكأنهم من علم الغيب أو مما حل بوادي «عبقر»! والمؤسف أن بعض هؤلاء الاستشاريين عندما يصل إليهم المريض «بأعجوبة» وضربة حظ ربما، وهو في حاجة إلى عملية جراحية أو تصوير إشعاعي MRI -الذي أصبح هو الآخر بمواعيد حولية-، فإن الاستشاري سيفيد مريضه هذا بأنك أمام خيارين: إما أن تعمل العملية في المستشفى الحكومي بعد سنين وأجل غير مسمى، أو أن تأتيني في المستشفى الخاص الفلاني وسنعملها لكن في غضون أيام، والمشكلة أن هذا المستشفى «الفلاني» يحتاج إلى «همشة» من المال! وهذا المريض المسكين لا يستطيع توفيرها.

والمحزن بعد المؤسف، هو أنك عندما تمر على عيادات بعض الاستشاريين في المستشفيات، فإنك ستجد نسبة ليست بالقليلة من تلك العيادات يتواجد فيها طبيب مقيم أو أخصائي، فالاستشاري الذي عُلّق اسمه على باب العيادة ليس هو بالفعل المتواجد فيها، بصراحة «أشغله الخاص» فهو في المستشفى الخاص يحصل أضعاف راتبه عن طريق «التحويلة» التي يحول عليها المريض إلى المستشفى الخاص «الفلاني» والتي ذكرناها أعلاه. وهنا وبصراحة أخرى كان يجب على الوزارة «استقطاب» الأطباء بالتحفيز المادي بوضع نسبة على عدد المرضى، وهذا موضوع آخر يحتاج مقاما مستقلا لإفراده.

فينتج لنا مما ذكرنا وعودا على ما سبق، أن استشاريي «الحلم» هؤلاء لا تصلهم إلا بضربة حظ، وإن وصلت لعيادته فستجد طبيبا «يغطيه» لأن الخاص جذبه بشكل أقوى، وإن وجدته فسيضطرك ربما «للتحويلة» المنهكة للجيوب!

لا شك أن حل مثل هذا الإشكال بدهيا، يكمن في زيادة الكادر الصحي ابتداء بزيادة عدد الطلاب المقبولين بكليات الطب، مرورا بالهيئة السعودية للتخصصات الصحية صانعة العقبات أمام التخصص، بل وأمام التوظيف نفسه، وصولا إلى طلاب الدراسات العليا الذين تجابههم الاختبارات التعجيزية، علما بأن بعضهم «أمهر» من بعض الاستشاريين «العتقية» الذين بلغوا من السن عتيا، وكان آخر عهدهم بالطب أيام «الأبيض والأسود».

أما الحل الثاني الملازم للأول فهو إنشاء المجمعات الصحية، وعلى رأسها المدن الطبية كتلك المدينة الطبية في عسير، ولعل هذين الحلين إستراتيجيان، ولكن وحتى يتمثلا على أرض الواقع فإن هناك حلا «مرحليا»، وهو أن يُدمج هؤلاء الاستشاريون بالمراكز الصحية، وتوضع لهم عيادات يومية من جميع التخصصات، خصوصا تلك التي لا تحتاج إلى تدخلات جراحية، ويجب أن تدرج في جداول واضحة، وتتم محاسبة من تغيب من الاستشاريين، وأن تنزع «الريشة» التي على رؤوس بعضهم والتي تقول: «الاستشاري ما حد يحاسبه».

إذا طبقت هذه الحلول في نظري فلن تسمع -بإذن الله- بمريض أُحِيل اسمه من سجل المواعيد إلى سجل الوفيات، وهو لم يأت موعده بعد.. ودمتم بصحة.