في أحد اللقاءات الصحفية التي نشرتها مجلة تابعة لكلية الملك خالد العسكرية، كان الحوار بين سكرتير التحرير في تلك المجلة وسعادة اللواء الطبيب محمد بلغيث البارقي، استشاري أمراض القلب والقسطرة في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بالحرس الوطني. بعد أن تطرق الحوار إلى المسيرة العلمية والعملية الزاخرة بالإنجازات والأرقام، والألقاب والأوسمة والمناصب السابقة والحالية لسعادته، أتي سؤال «تقليدي» -قد يسأله أي شخص لأي طبيب وهو- متى قررت أن تكون طبيبا؟! لتكون الإجابة، التقليدية كذلك، «منذ نعومة أظفاري وقبل أن أدرس المرحلة الابتدائية وأنا أقول لأبي وأمي إنني سأكون طبيبا، لأنقذ العالم من الأمراض والأشرار، والحمد لله تحقق حلم الطفولة».

لكن إجابة سعادة اللواء عن هذا السؤال لم تكن تقليدية، بل هي ما يستحق النشر في كل منبر يتكلم عن «قوة الكلمة» وتأثيرها في من تقع على مسامعه، وكيف يمكن لكلمة أن تصنع منك شخصا آخر، وتحول أو تحور مستقبلك ومستقبل من ستقوم على رعايتهم، إذ كانت إجابته نصّا: «بداية لم يكن الطب ضمن اهتماماتي، ولم أتوقع أن أصبح طبيبا في المستقبل، بحكم أن أخوالي جميعهم ينتمون إلى السلك العسكري، فهم طيارون عسكريون، فكنت أطمح أن أصبح مثلهم، ولما وصلت إلى المرحلة الثانوية، قال لي أستاذ الكيمياء في أحد الأيام، بعد أن رأى تفوقي في تحضير بعض دروس المادة،»أنت يا بني تستقل طائرة «هيلكوبتر» ولكنها تأخذك إلى كلية الطب«، غيّرت هذه الكلمات تفكيري وحياتي، وفعلا بعد تخرجي من المرحلة الثانوية بتقدير»ممتاز«، التحقت بكلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة.... إلى نهاية الحوار من روائع».

المقصود أننا نصحو وننام على قنوات تلفزيونية وحسابات تويترية وصور رمزية، كل «شغلها الشاغل» مقولات العظماء وقوة الكلمة، وفي النهاية ما هي إلا كلمات «جوفاء» لفقاعات أخرجها الإنترنت، كبعض أصحاب الحسابات التويترية التي يتابعها ملايين الأشخاص، ووجدنا أصحابها هم من يدعون إلى الفكر الصحوي أو الإخونجي، على سبيل المثال، وما زالت كلماتهم تعرض، وقصص كفاحهم تُبجَّل، وكيف أن كلمات تلقفوها من أساتذتهم جعلت منهم منارة لهذا الفكر السوداوي، الذي يملأ بظلماته أرجاء ما وصل إليه من عقول.


هذه الكلمة للمعلم التي قالها لسعادة اللواء الطبيب، لم تخرج على أي وسيلة إعلامية تقريبا، إلا أنها كتبت في مجلة لا تُنشر إلا داخل أروقة كلية عسكرية، ولم يلق لها بالا، رغم أنها صنعت رجلا ضمن حزمة رجال، لا تعوّل دولتنا إلا عليهم في مثل هذه الظروف، في الحروب والأوبئة والأمراض، ونسيت هذه الكلمة ونسي صاحبها الذي قد يكون توفاه الله، رغم أنني كنت أتمنى أن يُبحث عنه، ويخصص له ظهور إعلامي ليطلعنا على غيرها من كلمات، وكيف هي مشاعره بعد أن رأى تأثير هذه الكلمة.

علما بأن هذه الكلمة التي قيلت لسعادة اللواء، كانت في إحدى مدارس محافظة «محايل عسير» عام 1402 للهجرة، أي أن هذا المعلم لم يكن الـC.E.O لمايكروسوفت أو قوقل أو دايملر كرايسلر على سبيل المثال، ولم يحتج أن يكون خريج «هارفارد لعلوم الفسيولوجيا العصبية أو البرمجيات اللغوية» أو «الفزلكة السوالفجية»، ومع ذلك استطاع بكلمة أن يظهر الكنز المخفي داخل شاب لم يخرج من مراهقته بعد، ليهمس في أذنه بـ«كلمة جعلت منه سعادة اللواء الطبيب».