كثيرا ما كانت تعذر نورة زوجها، تتأمله من بعيد بعد أن تضع الكتاب بين يديه ليقرأ مواقفه صلى الله عليه وسلم، وتلاحظ دهشته فتكف عن لومه إذا ظن أن حق اختيار الأنثى لزوجها تغريب، أو حصولها على بطاقة شخصية مكيدة ليبرالية، لكن زوجها لم يكن فقط هو من يستمع لحديثها غير المعتاد في نظرهم، ذات يوم زارهم ولده الأكبر قبل سفره إلى الخارج لإكمال دراسته ليداعبه والده طالبا منه أن يحضر معه زوجة أميركية؛ لترد هي "لا يجوز له ذلك"، ليرد: وإذا كانت من أهل الكتاب؟ ردت: حتى لو، لقد اشترط الله عز وجل الإحصان، والمرأة في الحضارة الغربية تفتقد الإحصان، فكيف يحل له الزواج منهن؟ غضب الولد، وأخذ يصمها بنقصان العقل، وأنه لم يسمع بمثل ذلك من قبل، لترد عليه: ولن تسمع، إن الدنيا مشغولة بالنساء لا بك، وتولت عنهما تتساءل في داخلها: لمَ يصير الرجل الذي تتزوجه الفتاة منا قضية على الرغم من أنها لو أنجبت سينسب إلى والده وأهله، بينما لا ينشغلون بمن سيتزوج الفتى منهم وهو سينجب من ينسب لهم؟ ومن سيتحمل بقاء نسبهم وأصلهم؟
لم يمض وقت حتى وجدت زوجها يدخل عليها وعلى شفتيه ابتسامة أزاحت الكثير من الألم الذي تصنعه الدنيا حولها.
كان من الصعب ألا تحب نورة زوجها، على الرغم من الفرق في السن والتجربة، لماذا وكيف أحبته؟ إن جواب ذلك صعب لكن ربما تستطيعون تفهم ذلك عندما تطلعون على برود كاست طريف تضمن عبارة لشكسبير يقول فيها:
"محاولة التفاهم مع الأنثى وهي تبكي يشبه تقليبك لأوراق الجريدة وسط العاصفة! فقط احتضنها وسوف تهدأ...!" في جوف تلك التعليقات الطريفة جدا منهن وتلك الضحكات تجد تفسير لم أحبت نورة زوجها.
إن 60 عاما منحت زوج نورة خبرة في فهم ما تحتاجه الأنثى، خصوصا إذا كانت تربت في وسط تغلب عليه الرسميات، في مجتمع لا يحتضن، في الوقت الذي امتلأت فيه كتب الحديث بروايات عناقه صلى الله عليه وسلم لفاطمة الزهراء وتقبيله لها.
لم تدم سعادة نورة بزوجها، فذات يوم سقط صريع أزمة قلبية ادعى أولاده أنها السبب فيها وأنها.. وأنها.. في ممر المستشفى الطويل تذكرت سؤال عمر لحفصة - رضي الله عنهما - عن أدق حاجات الأنثى، فقط ليعرف كم بمقدوره إبعاد زوج عن زوجته، عمر رضي الله عنه ابن عصره الذي يؤمن أن المرأة كائن لديه حاجات ورغبات وضعتها مجتمعاتنا في خانة العيب فحرمت على الزوجة أن تطالب بها، والأعجب من ذلك أن تجد نفس المجتمع يضج بالحديث عن التعدد في الوقت الذي تفجعك الدراسات الطبية عنه بنسبة من يعانون من أمراض تمنعهم عن تلبية حاجات نسائهم.
نورة هي مجرد أنموذج لفتيات من بلادنا، ولو راجعتم إنجازات الهيئة التي تنشرها ستجدون نورة، وفي بيانات حقوق الإنسان ستجدون بعضا مما تساءلت عنه نورة، أنا لم آتِ بشيء من خيالي صدقوني.