تتكرر بشكل دائم الشكوى من ضعف الإقبال على المناشط المنبرية في المؤسسات الثقافية أو تلك التي تقام ضمن المهرجانات والمؤتمرات التي تعنى بالثقافة والأدب، حيث تبدو المقاعد شبه خالية في الكثير من الفعاليات. ومع ذلك لم أسمع أو أقرأ عن أي مؤسسة أو منظمي فعالية ناقشوا الأمر بجدية وسعوا بإخلاص لإيجاد حلول واقعية، وهذا يدل على أن البعض ينظم ويصرف من أجل أن يكتب الأمر ضمن التقرير السنوي أو ليقال في الإعلام إنه نظم وينتهي الأمر عند هذا الحد. وللحق فقد أشار لهذا الأمر الروائي المغربي بنسالم حميش أثناء مشاركته في إحدى الندوات التي أقيمت خلال مهرجان "الجنادرية" لهذا العام، مع أن الحضور كان جيدا في تلك الفعالية على الطاولة المستديرة التي تعتبر أفضل خيار في الندوات والمحاضرات التي لا ترتادها إلا النخبة، حيث يتقارب الجميع ويشعر المحاضر أن المكان ممتلئ وأن هناك من يستمع له بإنصات، بعكس المسارح العامة التي يحوي بعضها أكثر من 200 كرسي لا يشغلها سوى 20 إلى 30 شخصا فيظهر الفراغ الكبير في المسرح. فقد قال حميش وقتها إن الإلقاء من جانب واحد على طريقة المحاضرات التلقينية التقليدية الطويلة والمملة ثم أخذ التعليقات والاستطرادات عليها لم يعد مجديا، حتى إنه لم يعد يطبق في الكثير من الفعاليات الثقافية التي تقام في الدول الغربية (حسب قوله)، بل تم الاستعاضة عنه بطريقة تجذب المهتمين وتثير الأسئلة قبل دخول القاعة، حيث توزع على الحاضرين (قبل البدء) أوراق تحوي أسئلة للنقاش حول الموضوع المطروح، وقد يستبق الأمر بإعلان تلك الأسئلة والمحاور على الموقع الإلكتروني الخاص بالمؤسسة الثقافية المنظمة، ويتم التحاور حولها في الموقع نفسه، فلا يحضر المتحدث الرئيس للمكان إلا وجميع الحاضرين قد استعدوا بطرح رؤاهم وأسئلتهم، وبالتالي تتحول الفعالية من الجمود والرتابة إلى ورشة تفكير تفتح أبواب التساؤل، فتطرح فيها الأفكار وربما تتصادم وتختلف. وهذا هو الهدف الأسمى من إقامة أي منشط ثقافي وفكري، بعكس ما يحصل في معظم فعالياتنا المنبرية التي يستغلها بعض الحاضرين في أخذ غفوة بعد تعب يوم عمل.

وفي الحقيقة أن وصفة "حميش" سهلة التطبيق جدا في ظل التقنية الحديثة، وقد تكون حلا حقيقيا لما تعانيه فعالياتنا من عزوف، ولكن بشرط أن يكون الضيف مبدعا أو مثقفا أو مفكرا حقيقيا حتى يستطيع تحريك الراكد، أما ضيوف "الفزعات" فلن تجدي معهم أي حلول ولن يأتي لهم أحد.