ضيف ثقيل وهم نصف سنوي عتيق جعل مجتمعنا وأُسرنا مستنفرة بلزمة (سعودية) متكررة، وسجن مركزي منزلي خلف أسوار كتب ودفاتر ومعلومات متناثرة في كشاكيل وملخصات محركةً ركود النشاط (المعرفي) في المكتبات المدرسية ومراكز خدمات الطلاب.
إجازات استثنائية ومبكرة وتهيئة خاصة لبعض أولياء الأمور، وتجنيد خاص وكتائب من الدوريات ورجال الأمن يرافقهم التقاء من المشرفين والمشرفات التربويين وانقضاض على المدارس ومراقبتها.
دروس خصوصية ارتفعت بورصتها فكل ساعة تنافس (برميل) نفط سعودي، و"الخصوصيون" هذه المواسم مغرقون شوارعنا بملصقاتهم الدعائية ليحولوا جدران مدننا إلى سبورات حائطية ومسخ حضاري يكملون بها شرح دروسهم لمستقبل أبنائنا!.
محاولات غش مستميتة ببراءات اختراع غير (مسجلة) في طرقها وردود تمخضت عن اجتماعات ولجان بآليات جديدة من إدارات التعليم لمنع الغش وليس علاجه!
ترقب عمال النظافة كل فصل دراسي عند أبواب المدارس لجمع الكتب الدراسية في ظاهرة فريدة من نوعها لتدوير الورق في العقول (حفظاً) ثم طازجةً إلى حاويات النفايات!
موسمٌ للمشاجرات وممارسة (هواية) التفحيط وأرواحٌ مزهقة، معاكسةٌ للفتيات وتجمعاتٌ بممارسات خاطئة هنا وهناك بين فترات الاختبارات أو بعد انتهائها.
وأخطرها انتشار تعاطي مخدراتٍ وحبوب كبتاجون، وموسمٌ سحريٌّ لمروجين ينفثون سمومهم بين طلابنا وطالباتنا متفننين في أسمائها وتحديثها من (لكزس) إلى (بطة)، يقابله استنفار أمني وجمركي على الحدود في هذه الفترة أكثر من غيرها.
أسئلة حيرى تراودني كل موسم اختبارات في كل عام أو فصل دراسي أجد فيه تلك المشاهد السابقة وسأتناول الأهم:
لماذا كل هذا الاستنفار الذي جلب ثقافة الاختبارات وجعل لها (خصوصيةً) تضاف لنا دون غيرنا؟
لماذا لا نرى المشاهد السابقة أثناء الاختبارات في الأنظمة التعليمية للدول المتقدمة؟ والسؤال المفصلي ورغم هذا الاستنفار هل نتائج طلابنا الفعلية من خلال الاختبارات تثبت نجاحهم تعليماً أو تعلماً؟
أجزم أنها انفصالٌ تام للطالب عن المعنى الحقيقي للتعلم وجعله أسيراً داخل دائرة التذكر والحفظ فقط، بل هي أداة قاتلة لروح الإبداع الكامن لطلابنا وللتعلم التطبيقي المهاري والتفكير الإبداعي، فعندما تكسر حواجز لغة التفكير وأسئلته ليحل محلها أسفاً أسئلة اختبارات لا تقبل سوى إجابات (مغلفة) جامدة غير متحركة سميت بالإجابات (النموذجية)، والتي مثلت ثوابت لكثير من الأنظمة التعليمية وإرهاصاتها ومستقبلها، وبها أصبحت المخرجات قاصرة في نواتج التعليم لضعف تقويمها ودعمها لمجالات التنمية في المجالات التقنية أو التطبيقية، بل امتدت حتى الاجتماعية فأصبح حكم الأسر والمجتمع على الإنسان ونظرتهم له من خلال نتائجه في الاختبارات فقط!
وتبقى الاختبارات أداة وحيدة ضعيفة طالما أنها تحكم على إنسان بكامل قواه العقلية والكامنة تصنيفاً بأنه إنسان ناجح أو إنه إنسان نجح في الفشل عبر أوراق بيضاء مصفحة كل عام، وعبرها بورقةٍ أخرى ينتقل لصف آخر أو مرحلة أخرى، وكأن خبرات الطالب وحضوره وتفاعله ونموه متمثلة في تلك الورقة المرعبة التي جعلت من نظام الاختبارات مارداً عتيداً يجلد ويمارس سلطويته النافذة اجتماعياً ونفسياً على طلابنا وأسرنا وسلوكياتنا بل مستقبلنا!
المفكر التربوي والمدرب الدولي خالد عاشور كتب مقالاً أعجبني بمناسبة الاختبارات والقيود الفكرية التي قولبنا طلابنا فيها بأنمذجة الإجابات أورد فيه: "مثال ذكره إدوارد دي بونو في كتابه "التفكير الجانبي"، يذكر أن مجموعة من الناس افتتحوا مشروعاً سكنياً. وعند الافتتاح لاحظوا أن الأسقف والأبواب والنوافذ منخفضة بعض الشيء! فما الذي حدث ؟ تبين لهم أن شخصاً ما قام بتخريب أدوات القياس الخشبية بقطع بوصة من طرف كل أداة، وبطبيعة الحال افترض كلُ مستخدم لأداة القياس أنها صحيحة فقط لأنها تُستخدم (لإثبات) صحة كل شيء (آخر)، بمعنى بما أنه مقياسٌ يُستخدم لقياس الطول والارتفاع فلا بد أن يكون صحيحاً وهنا لم يحاكِم أحداً منهم المقياس أو أداة القياس نفسها.
فلنضحِ بالمقيس (الطلاب) ولنهتف بحياة أداة القياس(الاختبارات) حتى لو كانت النتائج سيئة، أليس هذا ما نفعل؟".
الحل فقط هو إيجاد عدة وسائل قياس وتقويم متنوعة تكون متاحة في المدارس والجامعات متحركةً متجددة مع متطلبات العصر وعلومه واتجاهاته لمعرفة مستوى الطالب بقياس (جميع) مهاراته التي اكتسبها من خلال عدة أدوات ولا تعتمد فيه (فقط) على الاختبارات إن أردنا أن يكون تعلـيمنا إلهاب شعلة لا مـلء وعاء كما ذكر (أرسطو) بدلاً من أن يكون تعليمنا ملء دفتر أو ورقة امتحان فقط.