تشير الدراسات الصادرة مؤخراً في أوروبا إلى أن 80 مليون مواطن أوروبي أي 17 في المئة من عدد السكان يعيشون تحت خط الفقر؛ وحسب كلام المفوض الأوروبي مكلف الشؤون الاجتماعية والعمل، فإن مشكلة الفقر تعتبر تحدياً حقيقياً يواجه الاتحاد الأوروبي، وينتظر غالبية المواطنين الأوروبيين تدابير محددة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمعالجة هذه الظاهرة (الشرق الأوسط 24 /6 /2010). وفي تقرير أوردته بعض الفضائيات من ألمانيا، والتي يعتبر اقتصادها الأقوى في أوروبا، أن نسبة الطبقة الوسطى قد انخفضت من 66% العام الماضي إلى 60% هذا العام، مما دفع أفراد هذه الطبقة إلى القيام بتظاهرات في عدة مدن ألمانية لوقف هذا التدهور وإجراءات التقشف التي أعلنت عنها الحكومة، وهو ما يعني ارتفاع عدد الفقراء، وإذا قسمنا النسبة المتبقية (40%) بين الفقراء والأغنياء فإن عدد الفقراء يصل إلى 20% وهو لا يبعد كثيرا عن نسبة 17% المسجلة في أوروبا عموماً؛ وأما الوضع المقبول فهو ألا يزيد عدد الفقراء في أي بلد عن 10% على ألا يرتفع عدد الأثرياء أكثر من ذلك أيضاً، بحيث تشغل الطبقة الوسطى نسبة 80%، لأنه كلما زاد عددها ضاقت الفجوة بين الفقراء والأغنياء مما يعني خلوّ المجتمع من الجريمة.
وفي أوروبا يتعاضد الأفراد والمؤسسات لمنع حدوث هذا الأمر، وقبل أكثر من عام استجابت أعداد كبيرة من المواطنين، من أتباع الديانات السماوية الثلاث، ومن جنسيات مختلفة، للدعوة التي أطلقتها منظمات أوروبية اجتماعية ودينية، للتظاهر أمام مقر المؤسسات التابعة للاتحاد الأوروبي في بروكسل، تحت شعار "معا نتحرك ضد الفقر".
هذا في أوروبا، أما في أمريكا فإن بل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت ووارن بافيت الملياردير والمستثمر الأمريكي يتزعمان حملة لإقناع أثرياء أمريكيين آخرين بالتبرع بنصف ثرواتهم على الأقل لمؤسسات خيرية، وأطلق جيتس وبافيت على حملتهما اسم "عهد العطاء" وهما يقولان إن خطوة كهذه إذا تحققت، من شأنها أن تغير وجه العمل الخيري.
ويطلب الرجلان من الأثرياء الآخرين التبرع خلال حياتهم أو أن يوصوا بتنفيذ ذلك عند موتهم؛ ولقد استجاب لهذه الدعوة عدد من الأثرياء، وقال بافيت في رسالة كتبها: إنه لم يكن في لحظة أسعد من اللحظة التي قرر فيها عام 2006 التبرع لأعمال الخير بنحو 99% من ثروته التي تبلغ 46 مليار دولار؛ وفي نفس الوقت قرر بل جيتس ترك منصبه كمدير في ميكروسوفت ليتفرغ للعمل الخيري مع زوجته.
تقرير الثروات العالمي السنوي ورد فيه أن عدد الأثرياء في العالم عام 2009 قد ارتفع إلى 10 ملايين شخص بنسبة 17.1 في المئة، وذلك رغم ضعف الاقتصاد العالمي؛ وأوضح التقرير أن قيمة الثروات ازدادت بنسبة 18.9 في المئة لتبلغ 39 تريليون دولار؛ وأن منطقة الخليج العربي شهدت ازدياد عدد الأثرياء؛ ففي المملكة العربية السعودية 104.700 ثري في نهاية عام 2009، بزيادة نسبتها 14.3 في المئة مقارنة مع عام 2008. (الشرق الأوسط 23 /6 /2010).
يبلغ عدد الفقراء في الدول النامية في الوقت الحاضر ما يزيد عن 1.4 مليار شخص، وإذا كانت الثروات المعلن عنها عالميا تصل إلى 40 ترليون دولار- وهي غالبا ضعف هذا المبلغ- واكتفينا بدعوة دين الإسلام للزكاة وهي 2.5% أو ربع العشر، فإن نسبة الزكاة من هذا المال تصل إلى واحد ترليون، وهذا المبلغ ليس شيئا كبيرا في الواقع، لأنه بقسمة هذا الرقم على المليار ونصف المليار فقير في العالم، تكون حصة الفقير الواحد أقل من ألف دولار في العام، وهي بالكاد تمنع جوعه خلال عام كامل.
إذا كان الفقر في أوروبا يتجاوز 17% فمعنى ذلك أنه في بلادنا العربية يصل إلى 60- 80%، بينما يستمتع 10- 20% بالثروات، وأما الطبقة الوسطى فهي لا تكاد ترى إلا بالمجهر، وليس في الأمر أية مبالغة، فعلى سبيل المثال متوسط الدخل الشهري للفرد العربي لا يتجاوز 133 دولارا، وهو لا يكفي لأسرة مؤلفة من أب وأم وطفلين مع شقة مستأجرة وأقساط تكسر الظهر آخر الشهر؛ وإذا كان وضع الناس - عموما - أفضل في دول الخليج منها في بقية الدول العربية، فإنه لا أحد يهتم بالبحث عن الفقراء حتى يهتم بإحصاء نسبتهم، ولذلك فمن المعتقد أنها لا تقل عن 20%، بل إنها تزيد عن ذلك إذا اعتبرنا كل السكان، خصوصا إذا أدخلنا العمال الذين لا تتجاوز مرتباتهم 100 دولار، مما يجعل كثيرا منهم يلجأ للشحاذة أو للجريمة كي يستطيع أن يوفر شيئا يرسله لأسرته في بلده، وبغض النظر عن هذه الفئة، فإن فئة أخرى من مواطني البلدان الخليجية يعيشون فقراء، فماذا يفعل الأثرياء لهم؟
إذا اعتبرنا أن المقصود بالثري هو من تزيد ثروته عن مليون دولار، وإذا حسبنا ثروات 105 آلاف ثري سعودي ثم استنتجنا زكوات أموالهم، نصل إلى نسبة تزيد عن 3 مليارات دولار، وقس على ذلك الأثرياء في الخليج والوطن العربي كله، ولن يطلب أحد منهم تطبيق مبدأ جيتس وبافيت على ثرواتهم، بل يكفي أن يذكروا أن في المال حقا سوى الزكاة، وقد سمح النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بأن يوصي بثلث ثروته، كي لا يدع ورثته فقراء، وعلى هذا فيكفي التبرع بربع الثروة، خلال الحياة، ولا ينتظر الغرغرة، كما في الحديث الشريف، أو الشهقة الأخيرة حـتى يوصي، فلن يلزمه من ثروته شيء بعد الموت، ولن يصحبه إلا عمله الصالح؛ وإذا وضعت خطـة سريعة لتعليم الفقير اصطياد السمك بدل إعطائه سمكة كل يوم – كما يقول الصينيون - فإن المبالغ الخيالية تكفي لبناء مدارس وتشييد مصانع وإقامة مستشفيات، والسؤال: من يعلق الجرس؟!