الشاب الذي ينشأ نشأة طبيعية غالبا ما يكون تأثرة بالأب أو الأم، غير أن الأسرة وحدها اليوم لا تربي، ففي القرن الماضي كان التلفزيون يسمى بـ"الأب الثالث"، أما اليوم فلا نستطيع إحصاء الآباء والأمهات!
أصبح هنالك آباء آخرون، وأمهات أخريات، وأشقاء وشقائق كثر. أصبحت وسائط التكنولوجيا للإعلام والاتصال مؤثرة بشدة في حياة الكبار، من رجال أعمال وسياسيين وإعلاميين وباحثين.. بل حتى إنسان الشارع أصبح مرتبطا بهذه التقنية التي أصبح لها عظيم الأثر في حياة الفرد والمجتمع، وهي من الأوْلى أن تكون مؤثرة في حياة الشباب، لا سيما أن الجدران العازلة التي كانت تفصل العالم عن بعضه ذابت كالجليد حين سطعت عليها شمس العولمة.
وفي ظل هذه الظروف والتغيرات العالمية ما زالت ثقافتنا العربية، بشكل عام، لا تقدم دعما لاستقلالية الفرد وحريته من جهة، واستثماره كفرد بنّاء من جهة أخرى، فيظل إنتاج الثقافة دون تطوير عاملا مؤثرا في برمجة الشاب على أفكار وسلوكيات هي إعادة تدوير للفكر والسلوك الجمعي.. وهنا يكون الخطأ الكبير! إذ يلجأ الشباب لتحقيق ذواتهم، بعيدا عنا، وسط شعور كبير بالاغتراب الاجتماعي تدعمه نظرية "الهوة بين الأجيال" التي تبدأ منذ سن الطفولة، وتعني أن الفوارق العمرية مدعاة للتباين بين جيل وآخر، وفي ظل تسارع التغيرات الثقافية في العصر الحديث زاد حجم الفارق وبالتالي اتسعت هذه الهوة مقارنة بأجيال سابقة، فنتج عن ذاك تغير في القناعات فانعكس ذلك على المظهر واللغة.
ومع الأسف الشديد أن غربة الشباب ازدادت اتساعا، فغالبية المجتمع لا يعي هذه المرحلة العمرية الخطرة، وبالتالي كثيرون لا يتقبلون حقهم في تحديد مظهرهم وشكلهم الخارجي، بل إن ذلك أصبح مبررا لقمعهم ونفيهم اجتماعيا.
معروف أن مرحلة المراهقة، هي المرحلة الأكثر قلقا فيما يتعلق بالذات، لهذا يبحث المراهقون عن ذواتهم في تحقيق التميز والتفرد في كل شيء، ونتيجة لعدم التقبل هذا تحققت العزلة على أرض الواقع، فتكونت لغة تخاطب خاصة تحوي مفردات غريبة للتواصل الشفوي والمكتوب، قد لا يفهمها بقية أفراد المجتمع ممن هم أكبر منهم، لكنها تعني للشباب شيئا كبيرا، فهم يشعرون أنها (لهم) وأنها تميزهم عن الشرائح العمرية الأخرى، وهذا الانفصال الإرادي الذي يلجأ إليه الشباب هو رفض للوصاية والتهميش والنسيان، وتحقيق للذات في عالمهم الخاص، بعيدا عن ألسنة النقد الحِداد، وأدوات القمع الذي يمارسه الكبار.
آيفون، آيباد، بلاك بيري، واتس أب، تويتر، فيسبوك، فليكر، القائمة تطول.. إنها العوالم الذكية في فضاء التواصل الاجتماعي، إنه عالم ستيف جوبز وبيل غيتس ومارك زوكربيرج وغيرهم. اليوم لم نعد نستطيع التحكم بمصائرنا خارج هذا العالم، ولم يعد التهميش مجديا، ولا الانشغال خارج عالم الشباب آمنا. وكثيرا ما نصفُ شبابنا بأنهم متحمسون، بل طائشون أحيانا، لكن تسفيه عقولهم سبب للكبت وللجوئهم إلى ما يدفع لتحقيق ذواتهم، نكون مخطئين في ذلك، فهم يعون ويفهمون وينتجون.. يتأثرون ويحاولون أن يكونوا مؤثرين، لكننا بكل أسف نتركهم لآخرين كي يحتضنوا عقولهم، ونتناسى أن في هذا العالم كثيرين ينتظرون أطفالنا كي يكبروا ليلتهموهم، وما أكثر هؤلاء الآخرين.. والآخرون غالبا هم الجحيم.
تعتبر المرحلة الجامعية من أهم المراحل العمرية؛ لأن شخصية الشاب فيها تكون في طور التكوين على المستوى الفكري والعلمي والنفسي، وإذا ما بقيت الجامعات السعودية مجرد مبان لا يشعر الطلاب بالانتماء لها لأنها لا تلبي حاجاتهم الإنسانية، فإن خروجهم عن صمتهم في وقت ما لا يعني رضاهم عن ممارسات سابقة استشعروا فيها هضم حقوقهم الإنسانية لكنهم آثروا الصمت وتحدثوا في الوقت الذي اختاروه، كما حدث في جامعة الملك خالد بأبها مؤخرا، ووصفت مطالب الطلاب - من الجنسين - على المستوى الرسمي والشعبي بأنها مطالب منطقية، وهذا الأمر صحيح، غير أن تنفيذ المطالب يبقى هو قطب الرحى فهم يجب ألا يتحملوا خطأ غيرهم.
وموضوع الشباب، هو موضوع حيوي لا يتلاشى مهما تغيرت الظروف، لأن شباب اليوم هم رجال ونساء المستقبل، وقضاياهم تهم مراكز البحوث والدراسات المتخصصة، لذلك قد يكون الوقت مناسبا لأن تنظم وزارة التعليم العالي مؤتمرا عالميا خلال فترة وجيزة، يصوغ أفكاره طلاب الجامعات أنفسهم، لفهم شخصية الفرد في الجيل الرقمي، وإشراكه في قرارات التنمية، ومدى دور الجامعة في احتضان الشباب وتلبية حاجاتهم واستثمار طاقاتهم، وخاصة أن الجامعة في العالم المتقدم أصبحت البيت الثاني - إن لم تكن الأول - بالنسبة للطالب الجامعي.