سُررتُ كثيرا لردود الفعل لمقال الأسبوع الماضي (النفط السعودي: الخطر الداخلي، الوطن، 13 مارس 2012)، إذ أثار المقال نقاشا مستفيضا حول الارتفاع المتسارع في استهلاك النفط في المملكة العربية السعودية، مما أعطاها التميز بكونها أكثر الدول استهلاكا للنفط، بعد أن كنا نعرفها كأكبر مصدر له في العالم.
وكما أشرتُ الأسبوع الماضي، فإن المملكة تستهلك نحو 3 ملايين برميل يوميا، وهو ما يعادل (40) برميلا في العام لكل فرد يعيش في المملكة (في المتوسط). وبالمقارنة، فإن ذلك يساوي أربعة أضعاف استهلاك الفرد من النفط في الولايات المتحدة الذي يبلغ (9.5) براميل من النفط سنويا، وثمانية أضعاف الفرد الياباني الذي لا يتجاوز استهلاك السنوي 5 براميل.
وقد كانت هناك مئات من الردود والتعليقات، من المتخصصين والقراء، بعضها في البريد الإلكتروني ومعظمها على صفحات الصحف وفي الإنترنت وعلى تويتر، واتفق معظمها على فداحة المشكلة وانصبت على تقديم المقترحات والحلول. وقد استفدت كثيرا من تلك الردود ووددت اليوم أن أشرك القارئ في الاستفادة من بعض ما ورد فيها.
فمن الواضح من ردود الفعل أن هناك الكثير مما نستطيع القيام به لتخفيض الاستهلاك المحلي للنفط والحفاظ على هذه الثروة للأجيال القادمة، ولا نحتاج في الحقيقة لإعادة اختراع العجلة لأن معظم دول العالم قد استطاعت القيام بذلك خلال العقود القليلة الماضية، بعد أن استطاعت الدول المنتجة للنفط في السبعينات من القرن الماضي تصحيح مسار الأسعار، مما دفع العالم إلى إدراك أهمية الحفاظ على هذه الثروة الناضبة.
ولكن من المؤكد أيضا أن التحدي الذي تواجهه المملكة هو أكثر صعوبة من أن تتم معالجته من خلال الصحافة أو الإنترنت. فهذه المشكلة تتطلب عملا مؤسسيا، قد يبدأ بتشكيل لجنة عالية المستوى، لدراسة المشكلة واقتراح الحلول لها، والتي يمكن أن تُحول بسرعة إلى سياسة رسمية تطبق بصفة عاجلة كذلك لوقف الهدر في استهلاك النفط. وقد يكون من المفيد لهذه اللجنة أن تستطلع آراء المختصين والمواطنين على نحو أكثر دقة وتفصيلا، سواء فيما يتعلق بمدى تقديرهم لحجم المشكلة أو قابليتهم للحلول المقترحة لها.
ويمكن تصنيف المقترحات التي وردت تعليقا على مقال الأسبوع الماضي في خمس مجموعات: توفير المواصلات العامة، تحسين كفاءة إنتاج الكهرباء، ترشيد الاستهلاك، تطوير مصادر متجددة للطاقة، واستخدام الحوافز السعرية للحد من الاستهلاك.
وفيما يلي تفصيل لبعض هذه النقاط.
1. توفير وسائل مواصلات عامة:
ليس سرا أن الوسيلة الأساسية للتنقل في المملكة هي السيارات الخاصة، لا المواصلات العامة، باستثناء بعض خطوط الباصات في المدن وفيما بين مناطق المملكة، والخط الحديدي اليتيم بين الرياض والدمام، وخطوط الطيران. ولذلك تظل السيارة الخاصة هي الوسيلة المفضلة للوصول إلى أماكن العمل والمدارس والتسوق والترويح. ومما جعل ذلك ممكنا ومريحا هو توفر الوقود بأسعار شبه مجانية. ولكي تكون وسائل النقل العامة جذابة، فإنها يجب أن تكون على مستوى عال من الكفاءة والراحة والنظافة، بما يمكن أن يُغري السائقين بترك سياراتهم من أجلها.
2. تحسين كفاءة توليد الكهرباء وتوزيعها:
أشار عدد من المتخصصين الذين علقوا على مقال الأسبوع الماضي إلى أن التقنيات المستخدمة حاليا ليست أكثر التقنيات حفاظاَ على الطاقة، وأن العمل جار على استبدالها بتقنيات أحدث، وهو ما يتعين الاستعجال في تحقيقه.
3. زيادة الوعي بأهمية ترشيد الاستهلاك:
تدل زيادة الاستهلاك المحلي من النفط سنويا بنسبة 5% أو أكثر إلى ضعف الوعي العام بالمشكلة، من تجارب الدول الأخرى تتضح أهمية توعية المواطن حول ترشيد استهلاكه من النفط، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، ويتطلب ذلك حملات مستمرة يشارك فيها قادة الفكر والمؤثرون فيه، من المسؤولين، ورجال الدين والفكر، والكتاب، والأساتذة والفنانين وغيرهم.
4. تطوير المصادر المتجددة للطاقة:
ومن أهم المصادر للطاقة المتجددة غير الناضبة الطاقة الشمسية التي للمملكة فيها ميزة نسبية واضحة.
5. استخدام آليات السوق لترشيد الاستهلاك.
وهذا هو الحل المفضل لدى كثير من الاقتصاديين، ويستشهدون بأمثلة من الدول الأخرى التي نجحت فيها تلك الآليات. ففي الولايات المتحدة كان استهلاك الطاقة في ازدياد مستمر لم يتوقف أو يتباطأ، بنسبة تجاوزت 3% سنويا خلال الفترة السابقة لعام 1973، أي حين كانت أسعارها منخفضة. ولكن ابتداء من ذلك العام، مع ارتفاع أسعار النفط، انخفضت معدلات النمو إلى أقل من 1% خلال الفترة من 1973 إلى عام 2002، وفيما يتعلق بالاستهلاك الصناعي فقد بلغ معدل النمو صفرا. أما استهلاك النفط على وجه الخصوص فقد انخفض بشكل ملموس، إذ انخفض خلال السنوات الخمس الماضية بنسبة 14%، من (11) إلى (9.5) براميل في العام للفرد.
ومع ذلك، فإن آليات السوق يجب أن تُستخدم بحذر شديد لكي لا يتأثر محدودو الدخل، من الأفراد وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، ويجب أن يصاحبها نظام يُعوضون فيه عن ارتفاع التكلفة، وأن يسبق أي قرار باستخدام آليات السوق دراسات مفصلة تحدد الآثار المتوقعة لتلك الآليات وطرق معالجة تلك الآثار.