في مقالة الأسبوع الماضي انطلقنا من مبدأ "الأمان شرط التربية" على أن التربية هنا تعني باختصار "التواصل الإنساني" فكل تواصل بين إنسانين أو أكثر يتضمن علاقة ومواقف واتصالات مؤثرة على جميع الأطراف. في المقابل عنينا بالأمان شعور الفرد بأنه في عالمه، أي في عالم يعترف به وسط شبكة واضحة من الحقوق والواجبات. الفرد الآمن فاعل ومشارك وصاحب قرار ومسئول بينما يبقى الخائف سلبيا ومغتربا وخطرا على ذاته وعلى الآخرين. كانت الجامعة هي حالة دراسة المقال السابق. اليوم المدرسة هي قضيتنا، وسؤالنا هو: ماهي المدرسة الآمنة؟ أو كيف يأمن الطالب في مدرسته؟

في الأيام السابقة فتح مجموعة كبيرة من مغردي "تويتر" السعوديين والسعوديات هاشتاقا خاصة بذكرياتهم في المدرسة. تنوعت الذكريات ولكن العامل المشترك كان ذكريات عن العنف بأنواعه. اشتكى الغالبية من تعرضهم لعنف جسدي ومعنوي في مدارسهم. العنف الجسدي تمثّل إما مباشرة باعتداء المعلمين والمعلمات على جسد الطفل بالضرب والتعذيب أو بعنف جسدي يتمثل في عقوبات صارمة مثل الوقوف لأوقات طويلة أو العزل من الجماعة أو التشهير وغيرها. في المقابل كان العنف المعنوي أعمق وأكثر استدامة وأقل استثارة للملاحظة من المتابعين لعملية التربية. العنف المعنوي أخذ أشكالا مختلفة تتراوح من الإهمال والتهميش وتنميط الطالب أو الطالبة في صورة الغبي أو المعاق ذهنيا، امتدادا إلى اغتصاب روح المتعلم بتعليمه كيف يكره الناس، وصولا إلى اختراق المدرسة لذاتية الطفل من خلال صرامتها في تحديد لبسه وطرق كلامه وغيرها. إضافة إلى العنف المعنوي المتمثل بالتمييز بسبب المذهب والعرق واللون.

من التغريدات بدت المدرسة مكانا غريبا للغالبية، بمعنى أن المدرسة كانت مكانا مصمما من قبل آخرين لأهداف قررها آخرون عن طريق برنامج مقرر سلفا من قبل آخرين. الطفل يحضر باعتباره موضوعا لا ذاتا، باعتباره أداة لا فعلا، باعتباره عابرا لا مقيما. هذا المكان غير آمن، لأن الطالبة أو الطالب لا يمكن أن يشعرا بالأمان في مكان لا يشعرهما بالانتماء. من جرّب التعليم يعلم أن سعادة الطلاب لا تضاهى حين تفتح لهم المدرسة نافذة بسيطة للنشاطات اللاصفية والتي يتحول الطالب من خلالها إلى فاعل ومنظّم ومشارك وقائد، أي باختصار حين تقبل المدرسة انتماءه كإنسان كامل في تجربة التعليم. خارج هذا الفضاء الضيق يعود الطالب إلى عزلة المتلقي السلبي اللامنتمي، الخائف. فقدان المتعلم للأمان يجعل من تجربة التربية في المدرسة مؤلمة ومؤذية وذات نتائج سلبية عميقة. بالملاحظة يبدو الطلاب في الصف الأول الابتدائي أو في الروضة أكثر سعادة ونشاطا وجرأة وسلامة في التفكير وأكثر استعدادا للمشاركة منهم حين يتخرجون من الثانوية. خلال رحلة 12 سنة يتعرض الطالب والطالبة إلى عملية منظمة من تحويل الطالب من عالمه واهتماماته وطبيعته الذهنية والنفسية كطفل أو مراهق إلى عالم غريب واهتمامات أجنبية يقررها مجموعة من المسؤولين البعيدين باهتماماتهم وأهدافهم عن الطفل وعالمه. بمعنى أن المدرسة لا تعترف حقيقة بطفولة الطفل، فهي تكرر المقولة التقليدية في أن مهمة التربية نقل المتعلم من طفولته إلى عالم البالغين.

الثقافة التقليدية تعتقد أن الطفل لا يفهم ولا يمتلك وعيا خاصا بتجربته الذاتية. اهتماماته ساذجة وسطحية لا تستحق أن تكون هي ذاتها أهداف التربية والتعليم. المدرسة هنا نقيضة للعالم الحقيقي، نقيضة للسعادة في الخارج، نقيضة للانطلاق والحرية واللعب. اللعب ضياع للوقت حسب الرؤية التقليدية، بينما هو حياة الطفل وطريقته للتعلم والتجربة والخبرة. هل يكفي القول إن المدرسة الآمنة هي نقيضة كل ما سبق؟ لا أعتقد، ولكني أرى أن الشرط الجوهري لبداية تحويل المدرسة إلى بيئة آمنة هو فهم الطفل ثم الانطلاق من فكرة أن التربية في المدرسة هي من أجل الطفل أولا وقبل أي شيء.

يجب أن تنحسر سلطة المجتمع بكل قواه لتتيح المساحة للطفل ليتحول التعليم إلى تجربته الخاصة التي تنطلق من أهدافه هو ومن احتياجاته الخاصة. التعليم الآمن لا يمكن أن يتحقق في تعليم لا ينظر إلى الطفل إلا على أنه كائن فارغ يتم حشوه بما يريد صانع المدرسة. الطفل ليس إنسانا ناقص الإنسانية، بل هو كائن مكتمل كطفل لا يجب أن يقارن بغيره، وهنا ستبدو اهتماماته حقيقية ورغباته مشروعة، كما ستبدو قدرته على التفكير والتجريب والمحاولة والخطأ جديرة بالاهتمام والتنمية.

المدرسة الآمنة لا يمكن أن تتحقق في تعليم مركزي يعزل أغلب العاملين فيه، إضافة للمجتمع ويحصر القرار في مجموعة مغلقة من المسؤولين. أيضا، الأمان لا يمكن أن يتحقق في مدرسة تتأسس على فلسفة تعليم لا تفهم الطفل ولا تنظر له على أنه أداة يحقق من خلالها المجتمع امتداده وثباته. لكي تكون المدرسة آمنة فإن كافة العلاقات فيها بين الطالبة والمعلمة وبين الطلاب والإدارة وبين الإدارة والمعلمات وبين العاملات والعاملين بمختلف مهامهم في المدرسة مع بعضهم البعض، كل هذه العلاقات يجب أن تتأسس على الحب والاحترام وحفظ حقوق الإنسان وأولها الحرية والمساواة. داخل هذه العلاقات ينشأ الأمان أو الخوف، ينشأ الطالب المنتمي أو الطالب الغريب، ينشأ الطالب الواثق المنفتح على العالم والحياة أو الطالب المغترب عن عالمه والعالة على الآخرين، ينشأ طالب منتج للحب والجمال أو آخر إما مسـتهلك مرضي لها أو عدو من أعدائها. في مدرسـة الأمان ينشأ صانع المستقبل وفي مدرسة الخوف ينشأ ضحية الماضي.