عرفت، في حياتي، شيخين جليلين من شيوخ النشر في بلادنا، محمد صلاح الدين الدندراوي، والسيد محمد بن علي الوزير (1357 - 1440)، ولم أكن أعرف، أول عهدي بهما، أن بين الرجلين صلة وثيقة، ومعرفة قديمة، وأن من ثمرة هذه الصلة وتلك المعرفة أن صار إليهما تأسيس «الدار السعودية للنشر والتوزيع»، عام 1387=1967. عرفت الأول منهما إبان تحريري لمجلة الحج والعمرة، والآخر حين اتصلت أسبابي بـ«مكتبة كنوز المعرفة»، بجدة، وكان يطيب لي الجلوس إلى هذين الشيخين الجليلين، يأخذنا الحديث في شؤون شتى، يغلب عليها هموم الثقافة والصحافة والكتاب ومشكلات النشر، وكان يلذ لي أن ألقي سمعي إليهما، حين يتدبران معاني القرآن الكريم، فأعرف مقدار ما اختزنه كلاهما من علوم الشرع، دون أن يبتا ما بينهما وبين الثقافة، بمعناها الواسع الفسيح، في الأدب، والتاريخ، والفلسفة، والاجتماع.

وكان من عادتي كلما غشيت «مكتبة كنوز المعرفة» أن أنفق ساعة، أو بعض ساعة، في صحبة الكتبي المثقف محمد علي باغميان، وكانت تلك المجالسة التي تأتي، عرضا، ودون اتفاق، توشك أن تكون «إمتاعا ومؤانسة». وفي مكتبه عرفت الأستاذ الجليل السيد محمد بن علي الوزير -مؤسس المكتبة وصاحبها- أسمع إليه، وهو يخوض في شؤون مختلفات، ويشوقني في أحاديثه ما اتصل بذكرياته البعيدة، في أعمال النشر، أو تلك التي اتصلت بفجر شبابه، حين أم القاهرة للدراسة، ومقامه في عاصمة المعز مدة طويلة، وكان يخص ذلك العهد بقدر كبير من الحنين، ويرجع إليه قدرا صالحا من اطلاعه على الثقافة الحديثة، ولا يكاد يخلو مجلس من مجالسه، من حديث متصل عن رواد النشر في مصر ولبنان، وكان قد اتصل بالرواد المؤسسين، ويوشك حديثه أن يشبه، بعض الشبه، ما أداه إلينا العلامة محمود الطناحي، عن ذلك الجيل من الرجال الكبار الذين تناثرت مكتباتهم إلى جوار الجامع الأزهر، أو أولئك الذين اصطفت مكتباتهم القديمة في شارع الفجالة.

وجذور السيد محمد بن علي الوزير في العلم والثقافة ضاربة في التاريخ، ويكفيه أنه ابن أسرة اشتغلت بالعلم والسياسة، منذ قرون، وكان لقومه الأدنين «آل الوزير» مقامهم في تاريخ الجزيرة العربية الوسيط والحديث، واستمر شغف هذه الأسرة بالعلم والثقافة حتى وقتنا الحاضر، فأبوه عالم وسياسي بارز، وإخوانه فرغوا للعلم والثقافة والأدب، لما استراحوا من السياسة، فإبراهيم مفكر إسلامي يعالج في ما أنشأ وكتب مسائل في الدين والشريعة، ويرد بقلمه ولسانه غوائل التعصب والتطرف والطائفية، وزيد مفكر ومؤرخ تنبئ الكتب التي وضعها عن مقام مكين في الفكر العربي المعاصر، وحسبه كتابه الجليل «الفردية: بحث في الفقه الفردي السياسي عند المسلمين»، وقاسم من أنقى الشعراء العرب المعاصرين عبارة، ومن أعذبهم ديباجة، أما محمد -وهو أصغرهم سنا- فما تأخر عن مرتبتهم، فكان مفكرا ومثقفا محيطا، وهو، عندي، «متأمل» في آي الكتاب العزيز، كما كان محمد صلاح الدين، رفيقه القديم في نشر الكتاب.

وأسلوب السيد محمد في الحياة قوامه اللين والتواضع وحسن الخلق، هادئ، رزين، يألف الآخرين ويؤالفهم، وكان رجلا حكيما لا يستفزه الغضب، وعلى كثرة مجالستي له ما رأيته جاوز تلك الرزانة وذلك الهدوء، وما أقبلت عليه إلا وابتسامة عذبة تعلو وجهه، وكان أشد ما يغضبه أن يستهين امرؤ بالدين، أو يخطئ أحد في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة -رضوان الله عليهم- ومما أذكره أنه ما ارتاح لناشر عربي، اختص الصدر الأول من الإسلام، والصحابة الكرام، بنصيب وافر من منشوراته، وكلها يكشف عن سوء أدب واستهانة، فما كان من السيد -رحمه الله- إلا أن نصحه، وجعل يوالي نصحه حتى كف ذلك الناشر أذاه عن ديننا ونبينا وصحابته.

ويستطيع المؤرخ الذي له عناية بحركة نشر الكتاب في العالم العربي أن يصنف السيد محمد بن علي الوزير في علماء الناشرين ومثقفيهم، وما كان الرجل -وتاريخه في نشر الكتاب قديم- تاجرا، لكنه اتخذ نشر الكتاب وتوزيعه «صنعة» له، وكان بوسعه، لو أراد، أن يكتفي بماضيه في النشر، ويختار مهنة أخرى أجدى عليه، لكنه ما اختار مهنة له إلا الكتاب، مهما اشتغل أبناؤه في ضروب مختلفة من التجارة، وبوأه ماضيه في النشر، وتضلعه من علوم الدين والثقافة، مقاما جليلا بين الناشرين العرب، وما من ناشر قديم في الصنعة إلا ويعرف أن السيد من «الرعيل»، وأن كلمته، في مسائل الخلاف، تنزل منهم منزلة الرضا، وأذكر أن الناشر اللبناني الجليل أحمد عاصي قال لي: إن السيد محمدا علمه «صنعة النشر والكتاب»، أيام كانت «الدار السعودية للنشر» في عصرها الذهبي!

وأستطيع، اليوم، أن أنزل السيد محمد بن علي الوزير منزله في «الدار السعودية للنشر»، تلك الدار التي شارك فيها الأستاذ الجليل محمد صلاح الدين، وأن أعرف اختياره، وذوقه، فيما نشر وطبع، ذلك أن كتب الدار تظهرنا على مرتبة متقدمة في صناعة الطباعة، وأن كتبها، مهما اختلفت فيما بينها في المشارب والغايات، يجمعها سمت واحد، وشخصية واحدة، وما كان السيد محمد ليفرق في أسلوب النشر، بين مؤرخ من أعلام المؤرخين العرب في العصر الحاضر، أعني العلامة حسين مؤنس، وشاعر شاب مثل محمد الثبيتي، ومما ينبغي أن تعرفه حياتنا الأدبية أنه لولا «الدار السعودية للنشر والتوزيع»، ولولا السيد محمد بن علي الوزير، ما عرفنا ديوان «عاشقة الزمن الوردي»، وصنوه الآخر «تهجيت حلما.. تهجيت وهما»، قبل أن يعرف الثبيتي -رحمه الله- بديوانه المشهور «التضاريس». وروى لي السيد كيف أقبل عليه، في زمن بعيد، شاعر شاب، اسمه محمد الثبيتي، تكاد تتعثر الكلمات في فمه، حياء وأدبا، وهو يقدم مخطوطة ديوانه الأول إليه، ولما عرف السيد أن لي صلة بنزار ابن محمد الثبيتي، أسرع لمهاتفته، وأثنى على أبيه، وأظهر له رغبته في الاجتماع به.

ومما رواه لي الكتبي محمد علي باغميان أن تعلق الفقيد العزيز بصناعة النشر حمله على أن ينشئ في بيروت دار «العصر الحديث»، وقال لي الناشر اللبناني أحمد عاصي، شريكه في تلك الدار: إن عنايتهما بالكتاب امتدت إلى ورقه، وشكله، وتنضيده، وسمته، فكان لكتب الدار شخصية مستقلة، نعرفها متى أقبلنا على منشوراتها، فاسم المؤلف، وعنوان الكتاب يخطهما خطاط محترف، ويستقبلك الغلاف وكأنه لوحة فنية سهرت على إبداعها يد صناع ماهرة، فإذا اتجهت إلى أسماء المؤلفين أدركت أن وراء هذه الدار عقلا يحسن الاختيار، ويكفي أن يشار، هنا، إلى أسماء حسين مؤنس، ومصطفى أمين، وأحمد بهجت، وعبد الرحمن الشرقاوي، وشاكر النابلسي.

لم يؤرخ لصناعة النشر في بلادنا، على أنه يوم يكون ذلك ستعرف حياتنا الثقافية مقدار ما أداه السيد محمد بن علي الوزير -رحمه الله- للكتاب وصناعته.

يستطيع المؤرخ الذي له عناية بحركة نشر الكتاب في العالم العربي أن يصنف السيد محمد بن علي الوزير في علماء الناشرين ومثقفيهم