في مناسبة كل انتخابات رئاسية أميركية، كما هي هذه السنة 2012، نقف نحن العرب الموقف السياسي ذاته، والذي لا يتعدى الحزن والعتب الشديد على موقف المرشحين للرئاسة الأميركية. لقد درجنا على هذا منذ 1948 إلى الآن. وخلال أكثر من ستين عاماً من ضياع فلسطين، لم نفطن إلى أن حلَّ القضية الفلسطينية في واشنطن، وليس في تل أبيب أو القدس. فأهملنا واشنطن المرضعة للصهيونية، وركّزنا على تل أبيب الرضيع. ورحنا نتعامل معها باللعب، وليس بالجد. واللعب هنا، يتمثل في عمليات المقاومة المجانية، التي لم تأتِ بمفعول، أو بنتيجة إيجابية تُذكر منذ أكثر من ستين عاماً، بل على العكس من ذلك، شددت من قبضة إسرائيل على فلسطين، سنة بعد أخرى أكثر من الماضي، وشوّهت صورة الفلسطينيين والعرب والمسلمين في الغرب أكثر فأكثر. وخسرت القضية الفلسطينية الكثير من أسهمها عند الرأي العام العالمي والإعلام العالمي، فيما لو علمنا أن هذين العاملين هما الدافعان والمؤثران على أصحاب صناعة القرار الغربي في أميركا وفي الغرب عموماً.
وفي كل انتخابات رئاسية أميركية، نتساءل:
أين هم العرب؟
أين منظماتهم المؤثّرة على الرأي العام الأميركي؟
أين اللوبي العربي في أميركا، المقابل للوبي الصهيوني الكاسح في واشنطن (ايباك AIPAC)؟
أين المال العربي؟
فلا نجد غير بعض المنظمات الصغيرة المتهالكة، التي لا صوت، ولا وزن ثقيلا لها. بل العكس من ذلك، فأكبر هذه التنظيمات في واشنطن وهي "مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية" (كير CAIR ) الذي تأسس عام 1994، وأصبح كل همّه - خاصة بعد كارثة 11 سبتمبر 2001 - الدفاع عن تهم الإرهاب التي تُلصق بالإسلام والمسلمين. وهو هدف وجهد يُشكرون عليه. ولكن المهمة الرئيسة، وهي تعريف الرأي العام الأميركي بالحق العربي والفلسطيني في فلسطين، وانعكاس هذا الجهد على مجرى ونتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، لم تأتِ بأية نتائج تُذكر. وظل المتنافسون في الانتخابات الرئاسية الأميركية يطلبون الودّ اليهودي والصهيوني، وهو ما يعني حوالي خمسة ملايين صوت انتخابي يهودي، مجهزين تجهيزاً سياسياً عالي المستوى، وهم بإمرة لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (ايباك AIPAC).
من خلال تعليقات المعلقين السياسيين العرب، في كل معركة انتخابية رئاسية أميركية نقرأ التعليقات ذاتها. وهذه التعليقات تخاطب عواطف السياسيين الأميركيين وليس عقولهم، أو عدد أصوات الناخبين الذين سيسقطون في صناديق الاقتراع الانتخابية. ومن هذه التعليقات الإنشائية العاطفية قول بعض المعلقين:
- يتنافس المرشحون بشكل مخجل لإرضاء الناخبين اليهود من خلال التعبير عن مواقف مؤيدة بالكامل للسياسات العدوانية والتوسعية الإسرائيلية في المنطقة العربية، وعلى حساب الشعب الفلسطيني.
- لعل المرشح الديمقراطي للرئاسة أراد طمأنة اللوبي اليهودي، والإسرائيليين من خلفه بالتأكيد على مساندته لكل ما تطلبه إسرائيل من أميركا، في رده على حملة صهيونية إعلامية مكثفة شككت بمواقفه، وركزت على ديانة والده المسلم. وهذا يعكس انتهازية مفضوحة، وتجرداً كاملاً من المبادئ الأخلاقية.
- ندرك جيداً أهمية أصوات اليهود بالنسبة إلى أي مرشح للرئاسة الأميركية، مثلما ندرك مدى قوة اللوبي الصهيوني المالية والإعلامية في الولايات المتحدة، ولكن هذا الارتماء بشكل رخيص عند أقدام هذا اللوبي، يضر بالمصالح الأميركية في أكثر من أربعين دولة إسلامية على الأقل، ويشجع على العنف والإرهاب.
من خلال بعض التعليقات السابقة، يتضح لنا أن الموقف العربي موقف عاطفي استجدائي منذ ستين عاماً، يتردد في كل انتخابات أميركية، ولا يملأ صناديق الاقتراع. والعرب والمسلمون في أميركا- وهذا خطؤهم الشنيع - ما زالوا يعتبرون السياسة قيماً أخلاقية، بينما السياسة ـ وخاصة الأميركية ـ مصالح ليست إلا. وما يريده المرشحون في مثل هذه الانتخابات هو القوة الانتحابية، وليست القوة العاطفية. فالعواطف لا توصل أحداً إلى البيت الأبيض أو إلى الكونجرس. الحق، والخير، والعدل، كلها قيم إنسانية رفيعة تدلُّ على مكارم الأخلاق، ولكنها لا تُصرف في البنك السياسي الانتخابي. ما يُصرف في البنك السياسي الانتخابي، هو قوة الماكينة الانتخابية عند العرب الأميركيين، أو غيرهم من مكونات المجتمع الأميركي. والعرب لا يملكون هذه القوة الانتخابية.
رغم أن "مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية" (كيرCAIR ) قد أنشئ عام 1994، ويمتلك أكثر من 32 فرعاً ومكتباً إقليمياً في أنحاء متفرقة من الولايات الأميركية، وهو أكبر التنظيمات الإسلامية الموجودة على الساحة الأميركية، إلا أنه بقي كأية وزارة إعلام عربية، وظيفته الأساسية شجب الاتهامات التي توجه للمسلمين والإسلام، والتنديد بالاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونفي الأخبار التي تتردد عن ارتكاب المسلمين للأعمال الإرهابية، وفضح دور اللوبي الصهيوني في واشنطن، وتوزيع الصدقات في المناسبات الدينية على فقراء المسلمين.. إلخ. والاكتفاء بهذا الدور دون أن يكون لـ "كير CAIR " الدور السياسي الكبير في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية الأميركية، الذي يؤخذ بعين الاعتبار والحسبان من قبل المرشحين المختلفين، وذلك للأسباب التالية:
1- ضعف الوجود العربي في أميركا، فنسبة عالية قد تبلغ أكثر من سبعين بالمائة من العرب الأميركيين هم من الطبقات الدنيا (سائقون، عمال محطات الوقود، موظفون في محلات السوبر ماركت، بائعو سيارات، عاطلون) في حين أن اليهود الأميركيين الذين يبلغون نفس تعداد العرب الأميركيين تقريباً، هم من الأطباء، والمهندسين، والمحامين، وأساتذة الجامعات، ورجال الأعمال في شتى الميادين، وممثلي السينما والمسرح، ورجال الإعلام المؤثرين على الرأي العام.
2- العرب الأميركيون غير مهتمين بالسياسة، وغير متحمسين للاقتراع، باعتبارهم جاءوا من بلدان متخلفة سياسياً، لا ممارسة فيها للديمقراطية السليمة، لذا فهم لا يقبلون على صناديق الاقتراع، حتى في الانتخابات المحلية للولايات، حيث لم يمارسوا الاقتراع في أوطانهم الأصلية ولو لمرة واحدة.
3- نقص المال بالنسبة لمنظمة "كير CAIR" ولغيرها، لعدم اهتمام الأنظمة العربية ورجال الأعمال العرب بالقضية الفلسطينية التي أصبحت بعد أكثر من ستين عاماً، كصحن الطبيخ الفاسد، الذي لا يريد أحد الأكل منه.
فهل نعذر بعد ذلك، باراك أوباما على موقفه الصهيوني، بالقيام بزيارات "ايباك"، المتكررة وقبيل الانتخابات الرئاسية، أم إنه غير ملوم؟
ألسنا نحن الذين فعلنا ذلك؟