من أراد أن يزور مدينة مونتريال الكندية فلا يزرها في موسم البرد حيث تهبط الحرارة إلى ثلاثين تحت الصفر، ويغرق الناس في الملح والأوحال، ذلك أن بلدية مونتريال تستنفر الجيوش من العمال وفرق الدبابات لرش الملح في طرقات الجليد، فلا يتزحلق الناس والسيارات ويتجنبون الحوادث، وبالمناسبة لم تقع عيني على حادث واحد يتيم خلال 16 يوما من زيارتي للمدينة، وهو مقارنة بما يحدث في الرياض كل يوم شيء لا يصدق، لأنني تقريبا وفي كل ذهاب وإياب من شمال الرياض إلى جنوبها اجتمع بحادث وأكثر وأحيانا من نوع بشع، أما ما ينقل إلى المشافي فمن الأفضل ألا نفتح الصفحة؛ فهي حالة تقترب من الحرب الأهلية غير المعلنة.

أعظم ما في مونتريال (اسم المدينة مشتق من كلمتين مون ورويال أي الجبل الملكي) في فصل الصيف، ليس سحر الطبيعة واخضرار الشجر الذي يملأ الشبكية بلون فاقع لا يصدق، ولكنه الأمن الذي يسيطر على المدينة، في بيوت يحتار الإنسان في جمالها وتنوع رشاقتها الهندسية فلا يكاد يشبه بيت آخر، بدون الحاجة لأسوار وحيطان ومتاريس وحراسات فلا يعرف ساكنه أهو إنس أم جان! بل يكاد الإنسان يرى من حوله في نوافذ غير محمية، وليس من نوافذ تشبه القلاع والبنوك والسجون، بل بيوت إنسانية بنوافذ شرحة كبيرة مضيئة، وحدائق غناء، يكاد الناس ينسون المفاتيح... بيوت مفتوحة للدخول والخروج، بدون حواجز وأسوار وحيطان شاهقة يعجز عن تسلقها السوبر مان والرجل العنكبوت والخفاش!

هذا المزيج السحري من جمال الطبيعة، وجهد البشر، والأمن الاجتماعي والعدالة، والتأمين الصحي لكل مواطن من مهاجر ومقيم، ونظام التقاعد لكل فرد، ولو لم يشتغل ساعة واحدة، ونظام ضرائب يقص جلود الهوامير والتماسيح غير الآدمية ليردها على الفقراء والمساكين وفي سبيل العلم والغارمين، هو السبب في جعل كندا البلد رقم واحد في العالم في الضمانات، ويدفع الناس للتسابق في الهرب إليها من كل فج عميق، لأنها مجتمع الضمانات بكل ما في المعنى من كلمة. روت لي ابنتي عن المؤسسة التي تعمل فيها والناس الذين يراجعونها للدفاع عنهم من رجل صيني يعمل في شركة أضاعوا حقه، وامرأة حملت فتذرع رب العمل بكل سبيل لفصلها عن العمل، أو طفل فرط في ماله صاحب الوصية، فالدولة قد خلقت من المؤسسات ما تعمل لإنصاف الفقراء والمساكين والضعفاء، وهو أمر يذكر بخطبة أبي بكر الصديق؛ القوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه. وكانت الخطبة التي أعلن فيها سياسته في الحكم.

أما نحن، فالهوامير والتماسيح والرشاوى والفساد يلتهمون مفاصل المجتمع مثل سرطان الساركوما العفلي، والويل لنا إن تمكن فينا الفساد فهو السرطان القادم..

أعجب ما في كندا ليس مناخ الخريف السحري، وتساقط شجر القيقب بألوان لا نهاية لها من الاخضرار والاحمرار والنحاسي، بل مطاردتهم التي لا تنتهي للأموال التي تدخل كندا: هل خلفها دعارة وتجارة حشيش وسلاح؟ من أي المصادر وصلت وهل هي نظيفة؟

والنظام الضريبي ساهر لا تأخذه سنة ولا نوم بالغدو والآصال لكل مرتش وفاسد، فهذا هو سر تفوق المجتمع الكندي بأفضل من أمريكا أم العدوان والحروب والإبادة.. فهي الآن تغرق من مصيبة إلى أزمة ومن حرب إلى حرب..

أما نظام السير وصف السيارات في الداون تاون (مركز المدينة) فيحتاجان شهادة ماجستر حتى لا تلدغك المخالفة بأربعين دولارا، وربما لا يوجد زائر وساكن إلا ونالته المخالفة أكثر من مرة، ولولاها لأصبحت المدينة مثل الحمام التركي وضاعت الطاسة!

الحقيقة الكلام في مونتريال لا ينتهي، والآن هو وقت الزيارة حيث ترى الشمس يوما، والمطر في ثلاثة أيام، يغسل الجو والأرواح، وترى القوم في المقاهي يتبادلون الحديث، ويتناولون الطعام في أمان، بدون فصل للنساء بل حضور واع مسؤول، فترى إحداهن تشتغل في كل مكان : شرطية وعاملة ومراقبة، بكل جدية واحتشام ومسؤولية، ولن تقوم قائمة إنسان إذا لم يقف على قدمين..

جاء في الأساطير من أيام الجاهلية عن رجلين أحدهما شق والثاني سطيح، فأما السطيح فكان بدون مفاصل مسطحا مثل الكائنات الرخوية، وأما شق فكان بساق واحدة؛ فكان إذا أراد الانتقال قفز مثل الجراد والقمل والضفادع ويبدو أن مجتمعاتنا تشبه هذين الكائنين في قسم منها..