"ليس في جيبك غير 11 ريالا، الريال قديم والعشرة جديدة! ويأتيك "سمسارٌ" لثريٍّ تافهٍ، يريدك أن تمدح "كفيله"، بمقابلٍ يساوي رواتب معلمةٍ "شهيدة واجب"، من دفعة 1427هـ، لم يتم ترسيمها لا بأثرٍ رجعي، ولا بأثرٍ تقدمي، ولا حتى بأثر "حافلتها" على الطريق! وترفض حضرة جناب سعادة معالي فخامتك هذا العرض والطلب! ألا تكون عندها أجدر بغلاف مقرر الرياضيات المطوَّر من ذلك الكائن اللطيف الأليف؟"

هذه ترجمة غير حرفية، لسؤال ورد من الصديق الزميل الشاعر/ "خالد صالح الحربي"، وهو واحدٌ من أندر من يصدق عليه وصف: "شاعر فنان"، في زحمة تخنق الأنفاس بـ"مهايط البعارين"، التي لا تنتمي للفن والشعر إلا من باب "رضاعة محو الأمية"!

وهو سؤال عريقٌ عتيقٌ في الساحة الأدبية والثقافية اليعربية، يلخص قضية "التكسب بالشعر" منذ الزميل/ "النابغة الذبياني"؛ حيث اتفق عمُّنا/ "طه حسين"، والأعمم منه/ "عبدالله الغذامي" على إدانة الزميل/ "أبي الطيب الكذاذيبي"، ووصفاه بـ"الشحَّاذ العظيم"؛ لما اقترفه من "مدائح"! فيما تساءل "الطيب صالح" ممتعضاً ـ في لقاء صحفي أجراه "الأخ/ أنا" لجريدة "البلاد" 1997 ـ : "ومالو المديح ياخي؟ دا فن محترم وقائم بزاتو! آي"!

ومن يومها و"الأخ/ أنا" يتساءل: ما الفرق بين شاعرٍ يتكسب بقصيدة مدح، ورسامٍ يبيع لوحته لمن يدفع أكثر؟ لماذا نحاكم الشاعر أخلاقياً، فنصمه بالكذب والزيف، ولا يخدش لوحة الفنان أن أبدعها لمن لا يساوي "الورنيش" الذي طليت به؟ وقياساً عليه: لماذا يتقاضى "الكاتب" أجراً لا يكاد يذكر مع أجر "نجمة" فيلم مثلاً؟ وهو السؤال الذي طرحه عمنا/ "توفيق الحكيم" ـ وإنه لحب "الخير" لشديد ـ على المطرب والموسيقار و"المنتج"/ "محمد عبدالوهاب" ـ الأشد حباً للخير منه ـ حين أراد إنتاج روايته/ "عصفور من الشرق" سينمائياً! فبادره "عبدالوهاب": يعني تريد أن أعطيك الأجر نفسه الذي أعطيه للنجمة؟ فقال الحكيم ـ وهو متخصص في القانون ـ: هذا أضعف الإيمان! وفوجئ بموافقة "عبدالوهاب" الفورية على ذلك! ولكن الرواية أنتجت، ونجح الفيلم نجاحاً مدوياً، ومع ذلك لم يدفع له "ملِّيماً" أحمر! ليكتشف أنه يسند دور "البطولة" لنجمة صاعدة، دون مقابل مادي؛ فيكفيها أن تظهر مع "عبدالوهاب"؛ ليتسابق عليها المنتجون بأعلى الأجور!

أما أستاذنا/ "الغذامي" فلا يكتفي بـ"شحذنة" الزميل/ "الكذاذيبي"، بل ويحمِّله الوزر الأكبر من المسؤولية عن تسرطن "الشعرنة" في الفكر العربي: فالمادح يكذب، والممدوح يعرف أنه يكذب، ومع هذا يدفع له ويصدقه! والجمهور يعرف أن المادح يكذب، وأن الممدوح "يستكذب"، ومع هذا يغرم بالشعر، ويتعاطاه جيلاً بعد جيل! و"الكيف وهم"، ولكن... غداً "أوهم"!!!