هل هو ذلك المدرس المنقول حديثاً في بدء العام للمدرسة الثانوية، ثم شاهدته ينتقي مجموعة من الطلاب الأبرياء في غرفة مغلقة من غرف المدرسة ما بين الشروق حتى الحصة الأولى، وهل هو نفسه، نفس المعلم الذي يهرب من الطابور لسبب لا تعلمه ولا تتفهمه. هل هو ذلك الطالب الجامعي الذي تستغرب نفوذه وسطوته الهائلة على النشاط الطلابي، وهل هو نفسه، ذلك الطالب الذي قابلك بابتسامة مدهشة وأنت تتوسط لديه لضمك إلى الرحلة الطلابية القادمة ثم أنهيت العام دون أن تجد اسمك على القائمة لأنك لا تصلح لقوائمه.

هل هو الطالب الجامعي الآخر الذي تشاهده مع الأول في أطراف المدينة ولكنك لن تشاهدهما معا في قلب الجامعة حتى لا تثار الشبهة. هل هو ذات الطالب، ونفسه، الذي تستغرب نتائجه رغم غيابه ونشاطه ثم تتفاجأ في نهاية الرحلة الدراسية بأنه مرشح للانضمام إلى الهيئة التدريسية معيداً بالجامعة. هل هو ذلك الشاب القادم من المدينة المجاورة ولكنك تكتشف أنه المسؤول عن مفاتيح اللجنة العامة لذات الحي الذي تسكن فيه وأمين عام المقر الحكومي لذات اللجنة ثم تتساءل: كيف وصل لأن يكون مسؤولاً عن استراحتنا – العمومية وهو من المدينة المجاورة؟ هل هو ذلك الشاب الذي ما زال يداعب شعيرات شنبه البكر الفضي ولكنه ينفخ أوداجه في المكتبة العامة للمدينة معترضاً على احتوائها لكتابين للكواكبي وثالث لمحمد عابد الجابري؟ ثم تقف أمامه مذهولاً لأنه لا يعرف حتى ماذا تعنيه الكلمات في عنوان الكتاب. هل هو ذلك الشاب الذي لم تشاهده ولكنك أخذت نسخة من كتاب أبومحمد المقدسي الذي تركه في سلة كبيرة أمام المسجد بعد شروق شمس الجمعة. هل هو ابن جاركم القديم الذي كنت تشاهده متجهماً لا يلقي السلام على أحد من الجيران الذين وضعوا لاقط الاستقبال الفضائي فوق أسطح المنازل ثم غادر منزل أهله ليسكن شقة مع – الأحباب – بعد ثورة عارمة على والديه لأنهم فعلوا فوق سطح منزلهم ذات الفعل. هل هو ذلك الشاب الذي يوزع أوراق التحذير في تجمعات التدفق السياحي محذراً من استمراء ممارسة الفلكلور الشعبي في ليالي الصيف لأن في العرضة والقزوعي شيئاً من التمايل الذي لا يصح لأجساد الرجال، ولأن العقل التراثي لم ينتج بعد عرضة متخشبة لا تسمع فيها بعد صوتاً أو حركة. هل هو ذلك الشاب الذي دبت فيه ألوان الشعر الأشيب ثم سمعت أنه كان خلف سفر زميل الطفولة القديم إلى العراق وأنه تباهى أمام – أبيك – بتجهيز ثلاث غزاة حتى اللحظة فيما هو يدرب أولاده الثلاثة على مكاتب العقار وتطوير الأراضي الخاصة.

والحق أنني وصفت هذه النماذج من أنموذج الجزائري الفرنسي – محمد مراح – بشكل قيمي جمالي وإلا فكل عين من عيوننا شاهدت مع الزمن الطويل أنموذجاً منه. كل عين بيننا وقفت على شيء منه. نحن عرفنا أو نعرف نسختنا من – محمد مراح – وشاهدناه على منبر أو طابور مدرسة أو سوق أو معرض. كل فرد بيننا عرف نسخة من مراح وكل عين لدينا تحمل في ألبومها صورة منه. لكن الصورة الظاهرة في ألبوم العين لا تعرف الصورة المستترة التي صنعت هذه الصورة الظاهرة. نحن نعرف – الرصاصة – لكننا لا نشاهد البندقية. نحن نعرف المعلم الذي يختفي بطلابنا من الشروق حتى الحصة الأولى في غرفة مقفلة بالمدرسة ولكننا لا نعرف – الآلة – الإدارية التي توزع في كل مدرسة من مدارسنا نسخة من هذا – المراح – بعدالة تنتشر في جل المدارس.

نحن نعرف الطالب الجامعي الذي يسيطر على النشاط الطلابي ولكننا لا نعرف – الآلة – الجامعية التي حولت أنشطة الجامعات إلى فكرة حركية. نحن نعرف الطالب الجامعي الذي أضحى في نهاية المرحلة الجامعية معيداً بالجامعة حتى بنصف الإمكانات والمواهب ولكننا لا نعرف – الماكينة – التي جعلت منه أعلى معدل، ومهدت أمامه الطريق كي يكون مسماراً مستقبلياً في جسد التنظيم. نحن نعرف الشاب الذي نحجز عبره استراحة الحي الحكومية ولكننا لا نعرف المنظومة التي كافحت للسيطرة على تحويل فكرة اجتماعية خلاقة إلى استراحة عمومية تنظيمية وبأموال الحكومة. نحن نعرف الشاب الذي يعترض على عناوين الكتب التي لا يستطيع حتى أن يقرأها ولكننا لا نعرف الآلة الحركية التي زودته بأسماء المؤلفين والعناوين، فالشاب الذي أمامنا مجرد آلة عضلية. نحن نعرف الشاب الذي وضع كتاب المقدسي في سلة أمام باب المسجد ولكننا لا نعرف التنظيم الذي اشترى الكتاب بآلاف النسخ ثم طلب من – العضلات – توزيعه في سلال بالخفية أمام أبواب المساجد. نحن نعرف أسماء المسجونين في سجون العراق ونحن نعرف أن سوادهم الأعظم تورطوا هناك ما بين السادسة عشرة والعشرين ولكننا لا نعرف اسماً واحداً من الذين رصفوا الطريق من قلب الجزيرة حتى شمال البصرة. نحن نعرف المنتج النهائي من هذا المصنع ولكننا لا نعرف المصنع. نحن نتعامل مع – محمد مراح – ولكننا لا نعرف عن الذين يمسكون بالخيوط من خلف الستارة. نحن نشاهد المسرح ولكننا لم نخترق الجدار الذي يقع مباشرة من خلفه.