الملك عبدالعزيز رحمه الله نعمة عظيمة، وخيرٌ عميم أصاب البلاد والعباد، كان الناس في هذه البلاد متفرقين فجمعهم الله به، وأعداءً فألّف الله بينهم بمجيئه، وكان كثير منهم ضُلاَّلاً فهداهم الله به، وكانوا فقراء فأغناهم الله به، وجهالاً فأنار لهم طريق العلم والمعرفة، فما أحسن أثره على الناس.

كلما أقرأ سيرة الملك عبدالعزيز، وأطلع على الوثائق والرسائل التي كتبها بيده، وكلما أستمع إلى أخباره من معاصريه، ومن كبار العلماء، وكلما أنظر إلى آثاره الطيبة اليوم، لا أملك إلا أن أشكر الله على فضله وإحسانه، وأبتهل إلى المولى جل وعلا أن يسكن الملك عبدالعزيز الفردوس الأعلى من الجنة، لقد كان فضله علينا -بعد فضل الله - عظيما.

إن أعظم ميزة في الملك عبدالعزيز رحمه الله - في نظري - أنه جمع الدين والدنيا، ففي مجال الدنيا والسياسة والتنمية والمصالح الدنيوية واستشراف المستقبل لا يشق له غبار، ولا يلحقه أحد من معاصريه ولا ممن جاء بعدهم من العرب والعجم.


وفي مجال الدين والتمسك بالعقيدة، والدعوة إليها، وتعظيم حرمات الله، يفوق أكابر العلماء الراسخين بمراحل، وكنت اطلعت على مسائل توقف فيها علماء كبار، لأنها لم تكن بأرض قومهم من قبل، ولم يروها قط، فبين لهم جوازها بالدليل، ولم يعاتبهم، فكان رحمه الله بحق إماماً في الدين والدنيا، وفضلاً من الله ونعمة.

قال لي شيخنا صالح الفوزان حفظه الله: إن الملك عبدالعزيز كان مسافرا فصُنعت له خيمة، فلما جاء قبل الفجر بساعة قدم إليها، فكان يصلي التهجد ويبتهل إلى الله وله نشيجٌ من البكاء، ولقد كان حقاً من المجددين لهذا الدين العظيم.

وقال الشيخ عبدالله بن منيع: كنا طلابا في المعهد العلمي في الرياض، فدعا الملك عبدالعزيز الأساتذة والطلاب إلى قصره وذلك في شهر محرم عام 1373 للهجرة، أي قبل وفاته بشهرين، وتحدث وقال (شوفوا يا إخوان.. الله المستعان.. الله المستعان.. الله المستعان - كأنه ينعى نفسه - ثم قال «هذا الدين، وهذه العقيدة، والله إنها من ذمتي لذمتكم، وأنا أعتقد أنكم ستلون الأعمال، وستكونون مسؤولين، لكن يا ويلكم من رب العالمين.. يا ويلكم من رب العالمين»، ثم انهمر بالبكاء تعظيما لله تعالى، رحمه الله وقدس روحه في جنات النعيم.

إن اجتماع الدين والدنيا لا يكونان إلا فيمن وفقهم الله من ألباء الرجال، فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا.

لقد كان الملك عبدالعزيز رحمه الله سياسيا من الطراز الأول، وكان متدينا على نهج السلف الأول، عقيدة وسلوكا، ذكر بعض معاصريه أنه رأى رجلا مسنا ذا عرج، يمشي خلف ناقته وعليها حطب، فرقّ له، ودعاه ليعطيه دراهم، ولكنه أخطأ فأعطاه ذهباً، فلما انصرف الرجل الأعرج، قيل للملك عبدالعزيز إنك أعطيته ذهبا، فقال «ردوه عليّ»، فلما جاءه المسن الأعرج، قال له الملك عبدالعزيز «أتدري ما الذي معك؟، فقال: خريجية الله يطول عمرك، فقال الملك بل خرجية كبيرة، هذه ذهب، ولكن أنا لم أدعك لآخذها منك، كلا، ولكن لأوصيك بوصيتين احفظهما عني، الأولى: إياك أن تقول أعطاني عبدالعزيز، والله ما أعطيتك، الذي أعطاك هو الله الذي ساق يدي إلى الذهب (وهذا درسٌ من الملك عبدالعزيز في العقيدة)، الوصية الثانية: إياك أن تصرفها في غير ما يحبه الله ويرضاه».

فاللهم ارحم عبدك عبدالعزيز آل سعود، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه.