تخيلتُ مشهدا كاريكاتيريّا لأعداد غفيرة من السعوديين ممن ينتمون إلى"الشريحة الصامتة" تمثل نسبتها 97.8% تقول "شششششششش" لـ 2.2% نسبة المؤدلجين فكريا، وطبعا مع قوة "النفخ" في وجه "المؤدلجين" ستُطيرهم في الهواء!!هذا المشهد تخيلته فور انتهائي من قراءة خبر "الوطن" قبل أيام عن دراسة خلصت إلى أن 97.8% من 700 ألف شاب يُصنفون بأنهم غير مؤدلجين، وأن 95% من هؤلاء متذمرون مما يُطرح في وسائل التواصل الاجتماعي، وأنهم يرون أن 2.2% وهم المؤدلجون هم السبب الرئيس في عرقلة التنمية والتطور في البلاد.

ولكن هذه الدراسة بنتائجها تدعوني أيضا للقلق، كون "الشريحة الصامتة" تعتبر من أخطر الشرائح في المجتمعات. ولو صدقنا بنتائجها، فعلينا أن نتساءل بجدية صارمة: لماذا فضل أغلب الشباب أن يكونوا "شريحة صامتة"؟ بالرغم من أنهم نشؤوا خلال مراحل زمنية امتلأت بالسجالات الفكرية وتحولاتها الاجتماعية، ويستحيل أن تخرج لنا بنسبة عالية؟! فهل هؤلاء جميعا، الـ "97.8%" أدركوا معا وبشكل مفاجئ أنه لا بد من الصمت أحيانا ليسمعهم الآخرون بقوة؟! بصراحة، لا أظن هذا الإدراك يصدق على جميع من يمثلون النسبة، ولهذا أتوجه للقائمين على الدراسة بأسئلتي: هل جميع من يمثلون هذه النسبة فعلا ليس لديهم مواقف فكرية أبدا، أم إن بعضهم فضل "السلامة" وكتم توجهاته الفكرية ومواقفه؟ ناهيكم عن التعامل غير الجاد أساسا مع ثقافة الاستبيانات والدراسات البحثية؟! وأجركم لسؤال آخر: ما مدى تأثير ثقافة المجتمع التقليدية على الشباب الذين خضعوا للدراسة، والتي تُجبر الكثيرين على الازدواجية الفكرية والسلوكية، فتضطرهم أن يظهروا ما لا يُضمرونه، خوفا من العيب والاتهامات الاجتماعية أو المصادمة؟! فهل من الممكن أن بعض هؤلاء الشباب تعامل مع القضايا المطروحة في الدراسة بمجاملة ودون صراحة وواقعية، مما أدى لخروج هذه النسبة العالية لتمثل "الشريحة الصامتة"؟!

حقيقة، تمنيتُ لو وضحت مصادر خبر" الوطن" قضايا الشأن العام التي تناولتها الدراسة، فربما عرفنا أكثر المبررات التي جعلت الشباب السعوديين فئة غالبة صامتة! لكن دون شك النتيجة تدعونا لبذل المزيد من الجهد لفهم مبررات صمتهم قبل نتائجه المتوقعة، فالإنسان المكشوف في آرائه وأفكاره أمام الملأ يُسهل عليك التعامل معه وتلبية رغباته، على عكس الصامت الذي يكتفي بأعين تتحرك لتراقب كل شيء دون أن يُبدي موقفا تجاه أي شيء! فلا تعرف ماذا يريد ولا تتنبأ بما سيفعله، الأهم من ذلك، هو تحول "الشريحة الصامتة" إلى جمهور متفرج لصراعات فئة ربما يعتبرونهم "مهرجين" تمثل "2.2%" لكنهم يجهلون أنها تطفو على السطح وتتحدث نيابة "عنهم "سعيا للتأثير سلبا أو إيجابا على تقدم العملية التنموية الاجتماعية والتي هي المطلب الأساسي للجمهور المتفرج "الشريحة الصامتة"!