• قبل ستة أيام، كان الاحتفاء بالأمهات (21 مارس). الاحتفالات ذهبت إلى كل مكان، مشى "البرّ" بقدمين مكسوتين بالخلاخل والهدايا، في البيوت والمطاعم والصحف والشاشات، أجل "البر" ذاته تذكر، فمشى أكثر، رغماً عن كل من يروج لعظات النكران والجفاف. تقول القناة في شاشتها، قبل ذلك اليوم وبعده؛ "عيدك يا حبيبة". وأحسنوا، أحسنوا جداً!. ملايين البشر.. لونوا شفاههم بحلاوات الحليب الأولي الأول، وقلن تلك الكلمة السحرية "يا أمي". الأيتام فقط كانوا خالين من هذا اليوم، وهذا المشوار العذب. الأيتام اكتفوا بالمشاهدة والمرارة، وتذكروا أغنيات المهد والفقد!. هل هناك من يومٍ للأيتام؟ إن لم يكن فإنني أقترحه!.
• هي الأم.. حيث تكون المرأة الوحيدة والمفردة، التي تعرف أول واجبٍ في الحب، هي من بين نساء الوجود وحدها، من يلهمها الله أن تغني لك وأنت في بطنها، هي من.. حتى قبل أن تلامس برأسك أو رجليك حزن هذا الكوكب، ووعثاء سفره عبر ملايين السنين، من عمره الغريب، إلا أنها تغني لك، فما من أمٍّ سوية، لم تَخْلُ بالجنين الذي في بطنها، لتضع يدها عليه، وتخاطبه بأغنيةٍ ما، ولو في سرّها. كلهن، كلهن الأمهات حينها يلقين بذرتهن الخالدة، ويقلن معاً؛ إن أول طريقٍ في الحب.. هو أن تغني!.
• أقترح على حوامل هذا الزمن، أن يرين في فترة حملهن، ذكرياتهن الحبيبة الأولى، في أحيائهن أو قراهن، بكل البيوت والأزقة والقصص والحناء، أن يسمعن أشياء جميلة عن الصلاة والبطولة، وأن يرددن ما يحفظنه من قصائد الحب والأرض والحياة، إني أقترح عليهن أن يلذن بالله من الضغائن، وأن يرجعن إلى الوجوه السمحة، فهناك الحليب الحق. الحليب الذي هو؛ إيمانٌ وفكرة. هكذا سيحظين بحملٍ مختلفٍ وحيّ، ولا يفقدن البذرة فيه!.
• وبعيدا عنا وعنكم: الأم التي تشوهها ثقافة ومقولات "نكران الحياة"، فإنها سترضعه لصغارها، وذات يومٍ سيعمل هذا الحليب عمله، فيرجع النكران نفسُه عليها، لأن كل أمّ.. بحتمية الله، هي تنور النفخ والخلق؛ دمها فينا، ووجعها، وحلمها، وغضبها، ومزاجها وحسها، وعلانيتها وسرها، وعلاقتها بالعالم أجمعه.. فينا! أحببن الحياة ولا تنكرنها، يا أمهات، وغنين لأجنتكن في أرحامكن أغنياتٍ طويلة عن الحب، والعيش، والطيبة، وجمال الله، فالعاق هو ذاك الذي لن يجيب أغانيكن، الذي لن يعود إليها يوماً ما! يا أمهات.. غنين قدر طاقتكن، فإنه ما من أحدٍ، أو حياةٍ، أو بلادٍ لا تستطعن – أنتن - خلقها من جديد!.