كل نقد شعبي يوجه لوزارة من الوزارات، وبخاصة حين يكون منطقيا، فإنه يعني وبكل بساطة ما يلي: أن الوعي لدى الشارع ولدى الناس أصبح متفوقا ومتجاوزا للوعي لدى بعض المؤسسات والأنظمة، إلى الدرجة التي يصبح معها المسؤول بإدارته وأنظمتها عبئا حقيقيا على الناس وقضاياهم واحتياجاتهم.
في قضايا التوظيف في القطاع الصحي، وفي قضايا التوظيف في قطاع التعليم، وفي احتجاجات طالبات كليات البنات، وفي غيرها من المواقف ما يؤكد كثيرا من ذلك التباين القائم الآن بين وعي المؤسسات وبين وعي الشارع، ففي اللحظة التي يتحول فيها نظام من الأنظمة أو أداء وزارة من الوزارات إلى عامل تعطيل وإحباط لمطالب الجمهور واحتياجاتهم، سنجد أننا أمام خطأ واسع ولا بد من الإصلاح بعد الاعتراف به وتأكيده.
فيما مضى كان وعي المؤسسات أوسع وأشمل من وعي الناس، كانت المطالبات والاحتياجات الشعبية بسيطة وسهلة وقليلة للغاية، وبينما يرتفع وعي الناس نتيجة لحالة التطور العامة التي تعيشها كل المجتمعات، ظل الكثير من الأنظمة والتشريعات متوقفة عند مرحلة زمنية معينة، لنصل معا إلى اللحظة التي تمثل تباينا بين الطرفين، وذلك حين يجد الأفراد أن ما هو قائم من أداء المؤسسات المعنية باحتياجاتهم لا يلبي تطلعاتهم ولا يناسب وعيهم المتجدد.
إن مدير جامعة أو عميد كلية يؤمن بعملية تفتيش الطالبات عند بوابات الدخول هو في الواقع ما زال يعيش مرحلة عقلية وثقافية تجاوزها المجتمع وأصبح يستنكرها ويحث على رفضها، ذلك أن الناس خرجوا من مرحلة الاستئناس بالوصاية والسيطرة والركون إليها، وهي مراحل تمر بها كل المجتمعات، وهو ما يكشف كيف تتحول جامعة بأكملها إلى موضوع للاحتجاج والرفض والمطالبات، بينما يفترض بالجامعات أن تكون هي المراكز الحقيقية التي تقود عملية صناعة الوعي وتغييره.
لماذا تضطر مجموعة من طالبي العمل إلى التجمع أمام وزارة من الوزارات والسعي لمقابلة المسؤول هناك؟ لأنهم ببساطة يدركون أن اعتمادهم على أنظمة تلك الجهات لم يقدم لهم شيئا، فما زالوا ينتظرون ويراجعون ويحبطون بشكل مستمر، يحدث ذلك رغم التزامهم بما هو قائم ومعلوم من تنظيمات وإجراءات يتم اتباعها في مثل هذه الحالات، إلا أنها لم تخرجهم من واقع الاحتياج والمطالبة.
ترى متى سمعنا عن وزير قام برفع تصور يقترح فيه مراجعة نظام من أنظمة وزارته، أو يقوم بتغيير ما تحت يده من أنظمة، انطلاقا من رؤية تطويرية واعية دون أن يكون ذلك اضطرارا؟ للأمانة فقد حدث ذلك لدى بعض الوزارات وقد أسهمت تلك التعديلات والتطويرات في إيجاد نمط جديد من العمل في تلك الوزارة، وفي إيجاد حالة من الرضا الاجتماعي لدى الشرائح التي تتعامل معها.
إن الانتباه لحالة التصاعد في الوعي العام، يسهم في جعل المؤسسات والوزارات مساءلة أمام نفسها وأمام الدولة في أن تكون بمستوى ذلك الوعي، فالمواطن الذي كان يتقبل منذ سنوات وبكل رحابة كلمة: (راجعنا بكرة) أو (النظام لا يسمح) لم يعد الآن كذلك، وتحولت لديه مثل هذه العبارات إلى أسئلة أكثر من كونها مسلمات.
الناس يلجؤون للدولة، وهذا أحد أبرز مؤشرات الاستقرار والثقة المتبادلة بين المواطنين والدولة، وهو ما يحدث فعلا، فالكثير من القضايا التي ظلت معلقة إنما تم التوجيه بحلها من خلال توجيهات سامية انحازت كعادتها للناس على حساب كل ما قد يعيق حياتهم وطموحاتهم.
الآن، وبعد كثير من المواقف التي مرت بها عدة مؤسسات حكومية، يصبح المعيار الحقيقي لنجاح كل مسؤول وكل وزارة هو مدى الرضا الاجتماعي، لأن الوزارات التي لا تحوز رضا الناس هي في الواقع مدخل لتوتر لا جدوى منه، وكلنا نؤمن أن المواطن في أي مكان أهم من المسؤول التنفيذي كيفما كان.