يقول المفكر، الأستاذ الجامعي المصري، محمود البلتاجي، وهو يواجه المذيعة الساخنة، منى الشاذلي: إنني أتيت للأستوديو وأنا أعلم أن ما بيننا من أوجه الاتفاق لا يمثل إلا 10%، ولكن مهمتي في هذه الحياة أن أبني على شمعة الاتفاق مع كل مختلف حتى ولو كانت مجرد 1%.

توقظ في وجداني هذه الكلمات كل تفاصيل الألوان. نحن نختلف مع بعضنا البعض حين يكون الفكر بدائياً، ولهذا يلجأ المختلفون إلى الألوان البدائية. يظنون أن الألوان هي مجرد تلك الاثني عشر قلماً التي نعرفها في الحقيبة المدرسية. الألوان لدينا عند الاختلاف هي مجرد المحصور ما بين الأبيض أو الأسود. الفكر البدائي مثل اللون البدائي، لا يعرف أن المزج الكامل ما بين اللونين سيعطي لوناً ثالثاً مركباً لا علاقة له بالعنصرين الأصليين. أكثر من هذا فإن المزج النسبي بكميات من هذين اللونين سيعطي من ذات – القلمين – ألواناً تفوق في عددها كل ما تعرفه عن عدد الألوان البدائية. ستكتشف أن هناك خمسين لوناً جديداً من مزج لونين.

وعدا الثوابت من نواميس الله في هذه الأرض، لا توجد لدى فرد واحد قدرة الادعاء بفكرة شاملة مطلقة ومكتملة. كل التجارب الإنسانية تنبع من فكرة الاختلاف، وحين اكتشف الرحالة، كوالو مارسيلو، بضع جزر في أقصى جنوب المحيط الهادي منتصف القرن الماضي، اكتشف أن سكانها القلائل جداً يعانون من عشرين مرضاً انقطع باللقاح عن بقية أهل الأرض. اكتشف أنهم يعيشون على قاموس من اللغة بألف كلمة. اكتشف أنهم يكررون ذات الوجبة لمرتين في اليوم وطوال السنة. وحين أعطى كبيرهم حبة من الباراسايتمو لعلاج الصداع تظاهر الزعيم بالغيبوبة وكررها مع الآخرين وكان كل منهم يسقط وهماً في نوبة من حبة أسبرين. هكذا تفعل العزلة. وأول فيروس العزلة أن تشعر أن الاختلاف مع من حولك يصل لنسبة مئوية كاملة. أول أمراض العزلة ألا تفكر وفق قانون النسبية. أن تعلم أنه لا يوجد في الحياة فكرة مطلقة. ومثلما أن الحياة ليست مجرد الحصر في تقابلية الأضداد في الاختلاف أو الالتقاء، فإنها أيضاً ليست تقابل النقائض ما بين الكراهية والحب. لا يعني أبداً ألا تحب أحداً أنه بالحتم أن تكرهه.. هناك مساحة رحبة واسعة في المسافة المحايدة ما بين الحب وبين الكراهية. بين الالتقاء والاختلاف. لا يوجد اختلاف مطلق مثلما لا يوجد اتفاق مطلق. لا يوجد حب مطلق ولا كراهية مطلقة. العقل الإنساني مثل البصمة. لا توجد بصمة مستنسخة منذ بدء الخليقة.