كانت طفلة تلعب على شاطئ، في يوم ربيعي مشمس، تسبح في الماء، ومن ثم تعود لتبني بيتها الرملي، وتبني معه أحلامها وهي تنظر لوالديها وإخوتها وضحكاتهم في الأجواء. طفلة تفننت في بناء هذا البيت وحجراته ونادت أختها بأن تخرج من البحر مسرعة لتحكي لها قصة قصيرة تدور أحداثها في جنبات هذا البيت. أخبرتها أنها ستسكنه وأطفالها، ضحكت وأشارت إلى غرفة ابنها وغرفة بناتها فهي تحبهن من قبل أن ترزق بهن، حتى إنها استشهدت بأسماء عرائسها، والتي أصبحت أسماء لبناتها فيما بعد. ذهبت لتلعب بعيدا ليأتي الموج على بيتها الرملي فيخفيه تماما، رأته من بعيد وأجهشت بالبكاء ليهمس والدها في أذنها: إنه بيت رملي وإن بيتها الحقيقي عندما تكبر سيكون صامدا متينا لا يهزه موج ولا شرر. هذه الطفلة هي امرأة ترقد في المستشفى الآن بعد أن فقدت ابنتيها في حريق بمنزلها.. تنظر للسماء مشدوهة وتتأمل: هل كذب والدي علي؟

طالعتنا الصحف مطلع هذا الأسبوع بخبر وفاة طفلتين تبلغ إحداهما سنتين والأخرى ستة أشهر في حريق نشب في إحدى فلل إسكان قوى الأمن الداخلي بجدة، وهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في تقديم القرابين من أبنائنا وبناتنا للحرائق. هذه الحرائق التي صنف الدفاع المدني خطورتها حسب المادة 8 ـ 1/2 من الشروط الوقائية للمباني السكنية بأنها خطورة "خفيفة"، لترتفع أعداد الحرائق حسب تقرير عمليات الدفاع المدني بنسبة 36? عن عام 1431هـ. شكلت الحرائق المنزلية ما يزيد عن الـ 65? من الحرائق كافة. هذه الزيادة التي يبدو أنها تتناسب طرديا مع تحقيق المملكة مراتب متقدمة عالميا في مؤشر مرونة استصدار تراخيص بناء المشروع الصغير والمتوسط الحجم وتوصيل المرافق، حتى أصبح استخراج الرخصة فوريا لتعزيز البيئة الاستثمارية، على حساب سلامة المباني السكنية التي أوكلتها الوزارة لمكاتب استشارية هندسية، مطالبة إياها الالتزام بكود البناء السعودي. كود البناء الذي سيتم إقراره من دون توعية مجتمعية لهذه المجموعة من القوانين والأنظمة التي يجب على المكاتب الالتزام بها لينشب حريق آخر وتعود القطاعات المختلفة لشماعة نقص الوعي المجتمعي ليضيع المواطن وتعويضاته ودية موتاه أدراج الرياح.

كم هو مسكين هذا الوعي المجتمعي الذي ما فتىء يحمل على كاهله ضعف رقابة وزارة التجارة وحماية المستهلك على التوصيلات الكهربائية وجودتها. هذا الوعي المتسبب الأول والأخير بفشل الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس، وهو المسؤول عن العمالة السائبة غير المتخصصة بأعمال الكهرباء وعن تسعير أنظمة السلامة المنزلية. وعي مجتمعي أنهكته كلمة "يجب" من وزارة الصحة ووزارة التعليم والدفاع المدني والهلال الأحمر، ومتى "أجاب" هذا الوعي بما يملكه من معلومات ومهارات صحية وإسعافية وهندسية، قوبل بالتقريع بذيل كل خبر صحفي عن حريق كالمتهم الأول والأخير.

الوعي المجتمعي في التعامل مع الحرائق السكنية وغيرها بحاجة لخارطة طريق تضم مناهج دراسية من المرحلة الابتدائية، ودورات إسعافية، وتدريبات ميدانية، وتجارب إخلاء وهمية، وشهادات إلزامية قبل التوظيف، ومراقبة للمباني بشكل دوري، ودعم لأسعار أنظمة السلامة، ومكافآت للمواطنين الملتزمين والحريصين على إجراءات السلامة بمنازلهم وعوائلهم، وما هذه إلا محطات قليلة في طريق التوعية بالحرائق على مستوى الأفراد والمجتمع.

هذا الخارطة لا يمكن أن ترسم من دون دراسات بحثية مجتمعية ومؤسساتية لتحديد مواضع الخلل، ومن ثم معالجتها بتركيز الجهود على المسببات في كل قطاع مسؤول وإدراج آليات، ومن ثم قياس مدى فاعليتها بشكل كمي يساعد في توجيه البوصلة لهذه الخارطة.

الحرائق في المملكة مشكلة تم تراشقها بين القطاعات مدة من الزمان. لا بد من التقاطها وإيقاف هذا التنصل من المسؤولية بتعليقه على شماعة نقص الوعي المجتمعي الذي تتنطع به القطاعات المختلفة مع أنه يدينها ويدين قصور خدماتها تجاه المواطنين والتي من أهمها التوعية.