اسمع يا بني، فقد أقص تذكرة مغادرتي عن هذه الدنيا ثم لا تجد من يسدي لك النصائح، ما يهمك أن تسمعه مني هو أن كل ما تراه من ثروة متفاقمة، هي من كدّ يدي، عرق جبيني و.. أشياء أخرى لا وقت لدي لشرحها لك.. تخيّل، كنت أستيقظ فجراً، أذهب إلى عملي المتواضع ثم أرجع للبيت وحسب.. تصّور؟ ثم بعد كل هذه السنوات العجاف يأتي من يقول لك بلا مبالاة: من أين لك كل هذه الأموال؟ يبدو أن علي أن أطبع سيرتي الممتلئة بالمثابرة والجد وألصقها على جدرانهم، أشعر برغبة بالضحك.. هل تشاركني ذات الرغبة؟ لا تريد؟ المهم ما أنوي قوله هو أن هذه الريالات التي جاهدت في سبيلها إنما هي وسخ دنيا، الدنيا النتنة.. حين ألمسها، أعدّها.. أشعر بأن لدي رغبة جامحة بغسل يدي، مسحها على كل جدار أتخطاه.. أعلم أن كادحاً مثلك تعصره الحياة قبل نهاية الشهر لا يستطيع إدراك ما أتحدث عنه، فضعف علاقتك بالريالات سيجعلك ترى بالأمر مبالغة.. أتعلم حين أصبّح بوجهك أقول بنفسي العفيفة: ماذا لو أنا مكان هذا الضعيف، لكني أتعوذ بالله من شر الوساوس ثم لا ألبث إلا وأرجع لتصوري نفسي مكانك بسيارتك القبيحة وهيئتك المسحوقة.. ابتسامتك الغائبة ووقتك الضائع بحساباتك المالية، وقلقك الدائم من البنك تارة ومن صاحب البيت الذي تستأجر شقته العلوية تارة أخرى، فواتيرك، بل وحتى قيمة فستان زوجتك، أعني بمجمل حالتك التي تكسر الخاطر، صدقني من الأفضل أن تتأقلم بكونك خلقت مديوناً وترضى بأنك ستموت مفلساً.. فذلك أقرب للزهد وأنفع للتقوى ولتفعيل تسليمك بقضائه وقدره.. فكما أقول دائماً: القناعة بالفقر: غنى.. هل تود أن تقول شيئاً بنهاية هذه العظات التي أمطرتها على رأسك، تبسم بشكلِ ميت وغنّى وهو يمشي مولياً: أحب الأغنياء ولست منهم لعلي أنال بهم.. أي شيء.