تزامنا مع التفاعل الدولي، باليوم العالمي للشباب، تطلق الهيئة العامة للإحصاء الوطني، تقريرها الخاص المعني بالشباب وما يتعلق بهم من بيانات وأرقام إحصائية تتصل بالخصائص السكانية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية والترفيهية، وذلك في ملحق تفصيلي خاص يتبع، تقريرها الشامل لمسح القوى العاملة للربع الأول من عام 2019، حيث إن التقرير تضمن نظرة تفاؤلية ورؤية أمل تشير إلى عزمنا الوطني ورؤيتنا الإستراتيجية نحو بناء بلد مزدهر يتمكن فيه جميع المواطنين من تحقيق آمالهم وطموحاتهم، وتوفير الفرص المتاحة للجميع خلال التعليم والتدريب، وبما يتاح لهم من مبادرات تشمل التوظيف والصحة والسكن والترفيه، فإنه يجدر بنا التعرض لبعض ما تضمنه التقرير الشامل وبملحقه المعني بالشباب من بيانات مهمة، تقديرا واحتفاء بشبابنا، وتأكيدا على أهمية منحهم مزيدا من الاهتمام والفرص الوظيفية للمشاركة في بناء السعودية الجديدة التي نريد.

يشير التقرير في بياناته المتعلقة بالخصائص السكانية للشباب من المواطنين، بأن نسبة الشباب السعوديين للفئة العمرية من 15-34 سنة تشكل 36.7% من جملة السكان السعوديين، بما يمثل أكثر من ثلث المواطنين، وتتقارب تلك النسبة الكلية مع نسبتهم في كل منطقة من مناطق المملكة، إذ تتراوح نسبتهم بين 35 و38% من سكان كل منطقة من المناطق. ومما تجدر الإشارة إليه، أن تلك النسبة الكلية للشباب السعوديين تمثل النسبة الأعلى بين عشر من دول مجموعة العشرين الاقتصادية، في حين تمثل اليابان النسبة الأدنى، وذلك بنسبة 20% للشباب من جملة سكانها.

ولعله من المهم هنا التنويه إلى أن ارتفاع نسبة الشباب في المملكة يعتبر تميزا فريدا ومكسبا وطنيا تترقبه الدول، وفرصة ديموجرافية كبيرة قلما تتكرر، وعليه فإنه يُصطلح على تسميتها علميا «بالنافذة الديموجرافية» لأهميتها في تحقيق تحولات تنموية واقتصادية مهمة في مقدرات الدول وفي مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وذلك بسبب ارتفاع نسبة فئة قوة العمل (15-59 سنة)، مقارنة بالفئات العمرية الأخرى من السكان الذين يشكلون الفئة المعالة من السكان، وهم ما دون الـ15 سنة وما فوق 60 سنة.


وبالطبع فإن استثمار تلك الفرصة الذهبية والاستفادة منها لا يحدث فجأة ولا تُجنى ثماره صدفة، وإنما يتطلب خططا مسبقة وبرامج وسياسات سكانية وتنموية منظمة ومتسقة مع بعضها البعض، وفي مرحلة زمنية تسبق وجود تلك الحالة بسنوات، وذلك تتيحه الدراسات السكانية الخاصة بجميع تفاصيل وتقديرات النمو السكاني ومتغيراته بخصائصه المختلفة، وعليه تُبنى السياسات التنموية ذات الصلة بالسكان، وتوضع الخطط وتنفذ الإجراءات المختلفة التي تخدم ذلك التحول الديموجرافي، وتمُكّن من استثمار طاقة الشباب في البناء الوطني، خلال توفير ما يحتاجونه من تعليم وتدريب ورعاية صحية واجتماعية مختلفة، وبما يمكنهم من المساهمة في تحقيق تطلعاتهم ومستهدفات الوطن على حد سواء، وبما ينعكس على رخاء وطني وازدهار اجتماعي واقتصادي شامل، يفرض مكانة سياسية مستحقة للوطن والمواطنين.

تضمن التقرير المعني بالشباب، معدل المشاركة الاقتصادية للشباب من 15-34 سنة، والتي لا تتعدى نسبة 39% من جملة المواطنين المحسوبين من المشاركين اقتصاديا، والذين يصل معدل مشاركتهم في المجمل إلى 42.3% فقط، وذلك يشمل المشتغلين والمتعطلين منهم، في حين أن معدل من يشتغل منهم لا يتعدى 57.7% ممن هم في سن قوة العمل، وذلك يتوافق مع انخفاض نسبة مشاركة المواطنين بصفة عامة في إجمالي قوة العمل الفاعلة من المشتغلين في السوق، والذي ما زال يحتفظ بنسبة 24% من جملة المشتغلين في الوطن، بينما يشارك غير المواطن نسبة 75.62% من المشتغلين في سوق العمل الوطني بجميع قطاعاته، وذلك بناء على بيانات الإحصاءات العامة لمسح القوى العاملة للربع الأول من 2019.

من جهة أخرى، فإن البيانات تشير إلى أن أعلى نسبة من المتعطلين السعوديين هم من الشباب، وفي الفئة العمرية من 25-29 سنة، وبما يمثل 37.4% من جملة المتعطلين السعوديين، بينما تسجل الفئة العمرية من 20-24 نسبة 26.9% من إجمالي المتعطلين السعوديين، أي أن نسبة المتعطلين السعوديين لكلتا الفئتين العمريتين من 20-29 سنة من شبابنا، تمثل 64.3% من جملة المتعطلين السعوديين!

أما الباحثون عن عمل من المواطنين فإن البيانات تشير إلى أن أعلى نسبة منهم هي كذلك من الشباب، وفي الفئة العمرية من 25-29 سنة، والتي تمثل وحدها 33.4% من جملة الباحثين عن عمل من المواطنين البالغ عددهم 945.323 مواطنا باحثا عن عمل! ولعله مما يدعو للاهتمام والوقوف عنده للالتفات إليه، أن أكبر نسبة من المتعطلين السعوديين هم من حملة الشهادة الجامعية، والذين يمثلون وحدهم 53.1% من جملة المتعطلين، ويليهم حاملو الشهادة الثانوية بمعدل 30.8%.

هناك مجموعة من التفاصيل المهمة التي تضمنها التقرير الشامل الخاص بمسح القوى العاملة 2019، وبملحقه التفصيلي المعني بالشباب، والذي يشير في نتائجه إلى أن هناك خللا كبيرا في الاستفادة من قوة العمل المواطنة بصفة عامة، ومن شبابنا كطاقات مؤهلة وكموارد بشرية متاحة على وجه الخصوص، والتي استنزفت كثيرا من الإنفاق المادي والجهود الوطنية المبذولة لتأهيلها وتمكينها، بهدف تحقيق تطلعات وطنية وإستراتيجيات تنموية هادفة تسعى إلى تعزيز واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، وأن جميع ذلك لم يأخذ حقه الفعلي من الاستثمار المأمول والتمكين المطلوب، وبما يستدعي مراجعة مخلصة وواعية وعميقة لمجمل السياسات الوطنية، للمؤسسات المعنية بالعمل وبالتعليم والتدريب والتنمية الاجتماعية، وجميع ما يتصل بها من إجراءات وآليات تخدم ممكنات التوطين لتحقيق أهدافنا التنموية ورؤيتنا الإستراتيجية، للتمكن من تحقيق التحول الوطني المأمول بأيادٍ وطنية متاحة ولكنها مهمشة!