تزداد الحاجة إلى أهمية النظام القضائي مع تطور حياة المجتمعات البشرية للفصل في قضايا الناس وتفاعلاتهم، وما ينشأ عنها من اختلافات وأخطاء ومطالبات وجنايات على مستوى العلاقة بين الأفراد أو المؤسسات أو تطبيق النظام أو الحقوق والواجبات، ويُعد العدل من أهم التطلعات التي تسعى لها الأمم والمجتمعات في حياتها سواءً كانت مرجعياتها أديان سماوية أو قوانين وضعية ممثلةً في تخصيص الأنظمة والتشريعات والأحكام القضائية التي تكفل حصول الفرد على حقه وحفظ حقوق الآخرين في منظومة العدل عبر أهم حقيبة وزارية في أي حكومة من أجل الوصول إلى حالة الأمان النفسي التي تكفل للفرد حالة الاطمئنان بأن العدالة في قضائها قادرة على فهم حركة سلوك الإنسان في حالة تجاوزه للحدود التي أخطأ فيها بلا وعي أو تعمد في فعلها مع سبق الإصرار أو كانت الدوافع غير واضحة له.

والمجتمعات المتحضرة اليوم هي التي تملك رصيدا كبيرا من القوانين والتشريعات القضائية التي عالجت في مواكبتها قضايا تطور الإنسان في حركته ونموه واحتياجاته وأخطائه، وهي التي جعلت من المتخاصمين في جميع القضايا يقفون أمام العدالة بثقة عالية من الاطمئنان بأن العدالة قادرة على فهم واستيعاب كافة أبعاد مشاكلهم، والنظر إليها بعين الحق المستند على أصول قانونية تمت حوكمتها ومناسبتها وتقييم أدائها ومصلحتها على الفرد والمجتمع.

القضاة والمحامون والمدعي العام من أهم عناصر تحقيق العدالة الذين يُفترض أنهم يتمتعون بالذكاء العالي وحسن الفطنة وسرعة البديهة وخبرة القوانين وبُعد النظر والموضوعية في الفهم والنزاهة في الحكم والإخلاص في العمل وتغليب المصلحة العامة وتقوى الله.

ونحن نلاحظ بشكل واضح وجلي في محاكمنا اليوم تطوير الإجراءات الإلكترونية في تقديم الدعاوى والشكاوى في المطالبات والحقوق والمخاصمات والاتصال والتواصل الإلكتروني من إدارة المحاكم مع المتخاصمين والمتداعين، وأصبحت أكثر تسهيلاً مما كانت عليه سابقا من البيروقراطية الإدارية في تبليغ الخصوم والكتابة وضبط المرافعات والوقت الطويل التي تمر به هذه الدعاوى مروراً بإجراءات بطء تنفيذ الأحكام والالتزام بها من قبل المُدانين، ونستثني من ذلك القضايا الجنائية فلها مسار آخر، ومع هذا التطوير الإيجابي والمهم إلا أننا بحاجة ماسة وبالغة الأهمية إلى تطوير مهارات القضاة أنفسهم الذين يُمثلون جوهر العدالة وأحكامها في كثير من الجوانب التي من شأنها أن تنقل القضاء من دائرة فض المنازعات وإصدار الأحكام إلى مرحلة الأمن والاطمئنان النفسي والاجتماعي والوطني.

فالقضاة يحتاجون إلى جانب تخصصهم الأساسي إلى تطوير مهاراتهم في الاتصال والتواصل ومهارات التفكير بكافة أنواعها ونظريات علم النفس والاجتماع الحديثة ومهارات الاستماع والحوار وفن قراءة لغة الجسد للآخر، والاطلاع على كل جديد في التشريعات والقوانين العامة والخاصة والثقافة والعلوم واحترام مرجعيات الخصوم الدينية والمذهبية والاجتماعية.

فالمتخاصمون اليوم في قاعات المحاكم وأروقتها يبحثون عن حلول شبه علاجية لمشاكلهم وقضاياهم، والأحكام التي ينتظرونها من القضاة يجب أن تتصف بالواقعية والحداثة والقدرة على التنفيذ ومناسبتها للعصر والظروف والإمكانيات، وأن الطريق إلى ذلك والنجاح فيه بحاجة إلى قضاة ماهرين وواعين ينظرون إلى أن النظام القضائي وأحكامه هو العمود الفقري لأي وطن ينعم بالاستقرار والأمان.