مفتتح:

المجتمع الذكوري العربي: مجتمع مكوّن من نساء بالمقام الأول، ثم رجال، ويتميز هذا المجتمع بأنه مهووس بتأثيم الاختلاط والخلوة والمصافحة بين الجنسين... إلخ، كما أنه مهووس بترسيخ الاختلاف الجنسي، تكريسا لهيمنة جنس على آخر.

مقارنة:


شاب عربي مسلم غير محصن -لم يسبق له الزواج- اعترف بالزنا لإخوته وأبناء عمومته الذكور، وربما بلغ الخبر والده وأعمامه، ووصل كذلك إلى نساء الأسرة، وعلى غرار هذا تشجعت البنت العربية المسلمة غير المحصنة، أخت الشاب آنف الذكر، واعترفت بنزوة اقترفتها مع شاب غريب أدت بهما إلى الزنا، ولنقل إن الخبر وصل القاضي وثبَّت اعترافاتهما شرعا، السؤال الذي يطرح نفسه، كيف سيتعامل الشرع مع الحادثتين، وكيف سيتعامل الأهل والمجتمع مع ذات الحادثتين؟

لست بحاجة لذكر الجواب المعروف سلفا، لكني سأُذكِّر بحكم الإسلام في الحادثتين في حال الضبط المتلبس -وهذا لم يحدث ولن يحدث قط- أو بالاعتراف بالزنا، فإن الشرع سيقرر عليهما جلد مئة وتغريب عام، أو استبدال التغريب بالسجن لذات المدة، وربما رأى قاض -إنسان- مسوغات وقرائن تخفف العقوبة، أو حتى تلغيها إذا شك في ثبوت الحد بحقهما.

ما الذي جعل المجتمع العربي يتعامل مع الحادثتين بمنظور ومنطق مختلف عن حكم الله تعالى؟! وأي حق خوَّل للذكور القيام بجريمة قتل وإزهاق نفس بريئة، أقصى عقوبة لها في شرع الله الجلد؟!

وما العار الذي لا يغسله إلا الدم؟! ولِمَ حكم الله تعالى على أمر هو من خطايا البشر المتوقعة، والتي تحدث كل يوم مئات المرات، بحكم ناقضه الذكور العرب إلى جرم أفدح وأكبر عند الله، وهو إزهاق النفس التي حرم الله إزهاقها، وجعل قتلها من أعظم الخطايا التي لا تغتفر.

المعترض على المرأة:

أغلبية الخطاب المعترض على المرأة هو الخطاب الديني، الذي يسعى إلى إظهار الفروقات الطبيعية بين الذكر والأنثى لصالح الذكر على طول الخط، وأعني بالخطاب، ما فَلْسَفَه فوكو إلى أنه كل نشاط يقوم به الإنسان، سواء كان عملا كالكتابة، أو قولا كالخطب والمحاضرات، أو سكوتا يمثل موقفا احتجاجيا، والخطاب الديني لا أعني به النص المنزل الذي عدل بين الجنسين، بل أعني به التفسيرات التي أضافت نصوصا موازية قررت ورسخت وضع المرأة المزري في المجتمع العربي، ذلك الخطاب وذلك الزخم الذي تعامل مع الفروق المتوهمة غالبا باعتبارها مسلّمات وليست فرضيات تَصْدُق وتَكْذِب.

ولا يوجد نص ديني صحيح يعترض على المرأة كفاعل إنساني وفاعل مجتمعي، غير أن المعترضين عليها من ذكور الفقهاء خلقوا فتاوى تعاير فعلها وفقا لنظم قديمة بالية لا وجود لها اليوم كالولاية وغيرها، وأكثروا من تطبيق مبدأ القوامة وسحبوها على كل مجال حتى العام منها، رغم أنه مبدأ بيتي يُطبق في حالة الإنفاق فحسب، كما أنهم ناضلوا في إثبات أن عمل المرأة يُفضي إلى الاختلاط الذي يفضي إلى الخلوة والتي تفضي بدورها إلى الزنى، وسدا للذريعة منعت المرأة من العمل في غالب الحالات.

المرأة القضية المركزية في الذهنية الذكورية العربية:

هناك بعض القضايا لها مركزية كبرى في حياة المجتمع الذكوري العربي، دون وجود أي أثر لها في شرع الله الذي نحتكم إليه، ويأتي على رأس هذه القضايا ما يسمى بالشرف حسب معناه في العرف العربي الدارج، والذي يُعلي من قيمة الذكر ويجعله مهيمنا على مسألة الأخلاق، ففعله الخاطئ لا يصنف ضمن دائرة اختلال الشرف وانتهاكه، بينما لو قامت المرأة بذات الفعل لاختل شرفه هو وليس شرفها هي، والمجتمع والخطاب الديني يقر ذلك بكل بساطة.

والسؤال الذي نطرحه هنا على دهاقنة الخطاب الديني: الإسلام دين عالمي، صالح لكل زمان ومكان، فكيف يمكن أن نسقط هذه المفهوم على شعوب الهند وشرق آسيا، أو الشعوب الأوروبية مثلا؟! في الوقت الذي لا وجود لهذا المفهوم في فكرهم، وبيئتهم وإن وجد فمدلولاته تنصرف إلى قيم أخلاقية عُليا كالصدق والأمانة.

القرآن الكريم يؤكد ذكورية العالم في سياق الذم:

يؤكد القرآن الكريم على أن المجتمعات الإنسانية عموما ومنها المجتمعات العربية، مجتمعات ذكرية بامتياز، في أكثر من موضع، ومنها قوله تعالى: (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)، وهي آيات تحكي أن الذكورية حقيقة اجتماعية قائمة في المجتمع العربي والمجتمعات الإنسانية عامة زمن نزول الوحي.

وموقف القرآن الكريم من الجنسين واضح بلا تلبيس الخطاب الديني البائس، فنلاحظ كثيرا من الآيات تساوي بين الجنسين في الثواب والعقاب والعمل والتكاليف، ومن ذلك قوله تعالى: (ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة).

في المجتمع العربي الذكوري قيمة المرأة غشاء:

«الشرف عود ثقاب لا يشعل إلا مرّة واحدة»، هكذا شرف المرأة كعود ثقاب إذا اشتعل مرة فلن يشتعل أخرى، والشرف كما ذكرنا آنفا مختص بالمرأة فقط في ذهنيتنا العربية، وهذا الشرف مختزل في غشاء البكارة، فهي القيمة الأهمّ في كينونة المرأة، فتكبر وهي تحيط هذا الغشاء بهالة من القداسة لا تنتهي إلا ليلة الزواج الأولى (الدخلة) ببضع قطرات من الدم.

وهكذا يختزل الوعي الجمعي المرأة في أنها كائن لطيف تتلخص مهمته في الجنس وإشباع رغبات الذكر وفي التناسل وحفظ استمرار المجتمع.

المرأة أكبر عدو للمرأة:

المرأة ذاتها هي صاحبة الفضل الأكبر في إضفاء الصفة الذكورية على المجتمع، فما إن تعرف ذكورية جنس جنينها حتى تطير فرحا وتيها، وما إن يولد هذا الذكر حتى تباشر صناعته على عينها وترسخ في ذهنه أفضليته على الجنس الآخر لكونه ذكرا فقط، وتظل الأم تنمي فيه فكرة التميز، حتى ينقلب على أمه في النهاية، لتعاظم معنى الذكورية في وجدانه.

المجتمع الذكوري لا يوجد في حقيقة الأمر إلا في مخيلة بعض النساء، اللاتي قبلن بأقل الحقوق وكل الواجبات لإقرارهن بأنهن الأقل درجة، والكارثة ليس في خضوعهن لهذه الثقافة إلى حد التمازج والتماهي معها فحسب، بل تكمن الكارثة الأكبر في الدفاع باستماتة عن استمرارها وبقائها كثقافة مهيمنة، وهذا الأمر هو الذي أدى إلى انكفاء المرأة على دورها التقليدي كوعاء للإنجاب وخادمة للذكر، ودائما محلها المرتبة الثانية بعده.

أخيرا، لا يمكن إغفال حقيقة تاريخية مؤداها أن معظم الحقوق التي حصلت عليها المرأة كانت بفضل المبادرات من جانب الفئات الذكورية المستنيرة، لأن مفاتيح السلطة المجتمعية كانت ولا تزال بأيديهم.