يمر التعليم البريطاني حالياً بأزمةٍ مع الأهالي، وذلك بعد أن أقر المسؤولون تغيير مسمى مقرر «الصحة الشخصية» في المراحل المبكرة إلى «التربية الجنسية» مع ما يتبع تغيير المسمى من تغير في الطرح، وكذلك إقرار البدء في تعليم هذا المقرر من المرحلة التمهيدية.

تضايقَ الأهالي؛ لأن متخذ القرار لم يستشرهم، ولم يضع في الحسبان التنوع الثقافي الموجود والقيم المختلفة لكل أسرة، ضمن هذا النسيج الوطني في الدولة من المواطنين والمقيمين.

قامت المظاهرات في مدن مختلفة، واجتمع المواطنون بممثليهم ليطلبوا منهم مناقشة الأمر مع إدارة التعليم، لكن إدارة التعليم وضحت أن القرار نهائي، وأن المدارس ملزمة بتطبيقه مع توظيف منسق أو منسقة لكل مدرسة لتكييف مفردات المنهج، والتأكد من ملاءمة الطرح لظروف وثقافة كل مدرسة.


حضرتُ كغيري من الأمهات والآباء اجتماعات عدة في المدرسة لمعرفةِ مزيدٍ عن هذا الموضوع فكانت الرسالة الأهم من المدرسة هي أن المدرسة تتفهم وجهات النظر وتمنح كل أسرة حرية الاختيار فيما يتعلق بأبنائها.

علقت المنسقة على بعض المخاوف بقولها: «لكم حرية رفض حضورهم لبعض المواضيع مع أننا نتمنى ألا تفعلوا على الأقل في الصفوف العليا؛ لأن المعرفة حماية ولأن فضول الأطفال سيقودهم للبحث عما رفضتم أن يعرفوه بمختلف الطرق وعندها قد تصلهم معلومات مغلوطة أو يتم استغلالهم بسبب فضولهم».

كذلك قالوا: إنهم سيشركون الأهالي معهم في الاختيار، ولن يروجوا لأي فكرة تتعارض مع القيم، وبالمقابل لن يهاجموا اختيارات الآخرين ما دامت لا تضر أحدا، لتربية الطفل على الاحترام والتقبل. ثم طلبوا منا طرح أسئلتنا ومرئياتنا فاتفقنا على أننا نريد الاطلاع على مفردات المنهج قبل البدء في تدريسه فضمنوا لنا ذلك.

طلبت إحدى الحاضرات أن يتم بث الحصص لمن يريد من الأهالي ليعرفوا ما الذي يُقال ويطمئنوا، فقالت لها المنسقة: إن هذا الطلب يشكك في الثقة المفترضة بين البيت والمدرسة، ولكن سيتم دراسته والرد بشأنه، ولا زالت المداولات بيننا وبينهم قائمة في هذا الشأن. الشاهد أن كل ما سبق من نقاشات انحصرت بين البالغين من مدرسين ومدرسات وأمهات وأباء وصناع قرار، وحرص العقلاء ألا يتورط الأطفال في مهاترات لا تفيدهم.

ما دعاني حقيقة للاستشهاد بما يحدث في التعليم البريطاني هو ما يحدث للأطفال والطفولة في مجتمعنا حالياً من استغلال وتشويه وتوظيف في صدامات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بسبب قرار الدمج الذي بدأت وزارة التعليم في تطبيقه، حيث إن هذه الخطوة أخرجت ما في بعض النفوس من بقايا جاهلية.

وبعيداً عن تأييدي للدمج، أود تذكير الجميع بأن الطفل لا يملك فرض القرار أو رفضه ولا يرى أثره ولا أبعاده بل هذا من واجبات ومهام البالغين من حوله. وبعيداً كذلك عن «طمام المرحوم» في التعليم وغيره، فإن كل ما نرجوه ويجب علينا توفيره للأطفال هو تعليم نوعي متميز وتربية جيدة متوازنة وغذاء يشبع أجسادهم وأرواحهم.

المؤسف أن النزاعات لم تقتصر على المجالس والمقاطع بل تجرأ البعض على تداول صور الأطفال في مدارس الدمج والتعليق عليها بسطحية دون أدنى اعتبار للخصوصية أو للآثار المستقبلية المترتبة على هذا التصوير. مقاطع ورسائل لا أحصيها تتبنى آراء متعددة مع أو ضد التغيير الحاصل، وهذا متوقع ومقبول بين الكبار حتى يصلوا لاتفاق وأرضية مشتركة، لكن غير المتوقع وغير المقبول حقيقة هو تضييع الأمانة تجاه هؤلاء الأطفال وزرع التذبذب والاضطراب في نفوسهم وحرمانهم من الأمان حتى في مدارسهم بالتصوير والتعليقات.

أدرك تماماً أن وزارة التعليم ومنسوبيها وعلى رأسهم وزيرها الفاضل د. حمد آل الشيخ لا يرضون هذه الممارسات، وأرجو منهم حماية الأطفال من آفتي الأدلجة والفضول بالقانون وعبر القنوات الرسمية، إن لزم الأمر.

وهذه أيضا دعوة للأسر الكريمة وللفضلاء من معلمات ومعلمين، مارسوا دوركم كراشدين نحو الأطفال، وخذوا بأيدي من تجرأ على تشويه طفولتهم وحياتهم، استشعروا مسؤولياتكم نحوهم وأبعدوهم ما أمكن عن ساحات الصراعات الفكرية التي لا يدركون أبعادها، وصححوا ما طال هذا المجتمع من تشويه ممنهج للعلاقات السوية بعيداً عنهم فهذا واجبكم وحقهم الذي تكفله الأعراف والقوانين.

@abdullah_nadia