صحا ذلك الشاب من نومه ونظر في أرجاء غرفته التي يسكنها لوحده، وكأنه قد حلت بها حرب أهلية. وجدها مبعثرة، تشبه بقية تفاصيل حياته. ولأنه أيقن أن ما بداخله مبعثر، قرر أن يلم شتاته، ليستطيع لاحقا لم شتات أغراضه في هذه الغرفة. نهض وترك كل شيء على حاله في تلك الغرفة، حتى هاتفه المحمول الذي لم يكن يفارقه ولو لدقائق، وركب المواصلات مغادرا تلك المدينة لعل الضجيج الذي بداخله يهدأ، وقرر الانعزال، ليستمع إلى الصوت الخافت الذي بداخله، تلك الأفكار الصافية، لعل الصفاء يصل به حتى يستمع إلى صوت قلبه. رحل إلى تلك الغابة التي لا يشاركه فيها أحد من البشر، ممتطيا حصانه الأصيل، ماشيا وراكبا حتى وصل العمق الهادئ للغابة، واتخذ من ذلك النهر البارد جارا له، اختبأ من لسعة برودته في ذلك الكوخ الذي أغلق بابه بجذع تلك الشجرة الهرمة، وظل طوال الليل يراقب مع فتحات ذلك الكوخ، الحياة الليلية لفراشات الغابة المضيئة، مستمتعا بموسيقى سقوط الماء من الجبل إلى قاع النهر. وإن مل من مراقبة حياة الأرض وما عليها، فما عليه إلا أن يرفع عينيه إلى حياة السماء المليئة بالنجوم ليراقب مواقعها، ولا تفوته الشهب التي تشق هدوء السماء، حتى تنطفئ في ذلك المجال الفسيح الذي لا يعلم له بداية من نهاية.

بدأ صاحبنا يتلذذ بالهدوء النفسي الذي وصل به، أن أخرج من بين أغراضه ورقة وأخذ من بقايا حطب ناره فحمة صغيرة، وبدأ يرسم ما يجول في مخيلته التي بدأت تخلو من الهدير، ليستل بعد الورقة أوراقا كثرا، ليفرغ عليها ذلك المحتوى الأدبي من فن الرواية والقصة والمقال والشعر أحيانا.

وبعد أن أحس أن الكرة الأرضية تخلو من بني البشر، قاطعه صوت يمشي من أعلى الجبل، فعاد لفتحة كوخه ليراقب من بالخارج، فإذا به يرى ثعالب الغابة تلاعب صغارها أعلى تلك القمة، ويبرز قفزاتها ضوء القمر من خلفها، ليبتسم ابتسامة المنتصر في نجاح عزلته، التي لم يستطع أحد تكدير صفوها.

باستثناء ذلك الرجل الذي سحب جذع تلك الشجرة التي تغطي فتحة الكوخ، ودخل عليه مكان خلوته عنوة، وهو يقول (تصدق عرفت اني باحصلك هنا يالنفسية، والشباب كلمتهم وجايين في الطريق نتعشى سوا). بالتأكيد إن ذلك الرجل الذي سطا عليه ليس بطرزان الغابة، بل أحد أصحابه الذين لا إحساس لديهم بأن بني آدم كتلة من المشاعر. نوع من الأصحاب الذين يعتقدون أنك إن بدأت ترسم فهذا دليل على إصابتك بمرض نفسي علاجه (2 نفر حاشي). أما لو وجدك مستلقيا على ظهرك تراقب النجوم، فهذا يعني أن عزلتك هذه تبرهن عوارض مرض نفسي آخر علاجه، (جلب شباب الديوانية، ليلعبوا بلوت وبوبجي وقفز مظلي من حولك).

نظرة للسماء: أجهزتنا المحمولة بين فترة وأخرى تقوم أوتوماتيكيا بـ(مسح الذاكرة العشوائية)، لتعود للعمل بجودتها المعتادة، وقد يكون كذلك بعض البشر.