عودا على سيناريو اليوم الدراسي في مبنى حكومي، حيث يقضي الطلاب نهارهم كاملاً تقريبًا في مبانٍ كئيبة، فمع تكدسهم في المدارس والفصول بأعداد تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمباني والفصول الدراسية والنسب المقترحة عالميا للطلاب والمعلمين، نجد أن غالبية هذه المباني تفتقر إلى شروط السلامة والكرامة، بدءًا من البوابة إلى مخارج الطوارئ المغلقة أو المعطلة.
يبدأ المشهد المدرسي بسور أسمنتي أو حديدي عالي، وبوابة حديدية ذات صرير، تتدلى منها سلسلة منتهية بقفل تذكر بمشهد السجون أو الإصلاحيات، تلي هذه السور اللانهائي أرضية واسعة لا شيء فيها سوى الرمال وبعض الكراتين المتطايرة هنا وهناك، كنا نسمع أنها لحالات الإخلاء الطبي أو الطوارئ كالحرائق وغيرها، ولم أسمع طيلة حياتي أنها اُستغلت لهذا الهدف، حيث تخلو أغلب المدارس من المقاعد والملاعب والأشجار والمظلات!. فضلاً، على وزارة التعليم أن تُزيل الأسوار، وأن تستبعد البوابة الحديدية المُنَفِّرة، وأن تزرع الأشجار في المدارس مع أنسنةِ ساحاتها وملاعبها بما يتواءم مع بيئتنا ومناطقنا.
أما دورات المياه في المدارس الحكومية فليست بأفضل حال، ووجودها كالعدم، لدرجة أن بعض الأطفال لا يأكل ولا يشرب في المدرسة لئلا يحتاج لدورة المياه!، وهذه إساءة للطفل يترتب عليها كراهيته للوقت الطويل الذي يقضيه في المدرسة وتشوقه للخروج منها، ناهيك عن المشاكل الصحية المترتبة على هذا الوضع المؤسف للبنين وللبنات، آمل من مسؤولي التعليم التأكد من سلامة دورات المياه وصلاحيتها للاستخدام، ورصد مبالغ لصيانتها وتنظيفها وجعلها لائقة بالبشر، وذلك ضمن مشروع رخص واشتراطات المباني المدرسية.
أما المقاصف المدرسية، فإنها للحق تجعل الصيام سهلا خلال اليوم الدراسي، لقلة الخيارات وارتفاع الأسعار غير المبرر مع انعدام التنظيم خلال الشراء مع سوء النظافة في الغالب، ولعلي أقول بضمير مرتاح إن المقصف المدرسي هو أول تجربة حية يعيشها الطالب الصغير لقاعدة «البقاء للأقوى»!، وفي إصلاحنا للمقصف إصلاح لثقافة وفلسفة المدرسة كلها، وآمل أن تجعل الوزارة إصلاح المقاصف شرطا أوليا لاستمرار رخصة المبنى المدرسي.
ولن أنسى هنا الإشارة لأبنائنا من ذوي الاحتياجات الخاصة، أرجو مراعاة دمجهم في المدارس بتقليل الأدوار العلوية وتوفير المصاعد والمنزلقات واشتراطات الكرامة والسلامة لهم ولغيرهم من أبنائنا قبل منح المدرسة رخصة المبنى المدرسي.
ما ورد أعلاه في عرض حال المدارس يستدعي غلق كل صنابير المصاريف الجانبية غير الطارئة في الوزارة، من المطبوعات المدرسية إلى الانتدابات والبرامج والخطط، ومنح الأولوية للمباني المدرسية لخمسة أعوام على الأقل قابلة للتمديد لحين تحقيق هذا الهدف بكفاءة وجودة وبنية ممتازة، مع وجود خطة فعّالة للمراقبة خلال التنفيذ والصيانة والحماية من التخريب أو التشويه المتعمد بعد الانتهاء.
يطول الحديث ويتشعب حول التعليم، ولكنه يجب أن يبدأ ويستمر، وأن نناقش ما يزعجنا قبل ما يسرنا إذا أردنا النهوض بالمتعلمين والتعليم، وذلك على سبيل النقد لا الانتقاد أو التهويل. لا يتسع المقال للحديث مثلاً عن الفصول الذكية أو المعامل والورش المدرسية ولا العيادات أو المباني الملحقة بالمدارس للمغتربين أو العمالة ولا التكييف ولا البنية التحتية الضعيفة للمباني الجديدة. لكن لنتفق أولا أن رخص المباني لا تقل أهمية عن رخص المعلمين.
حال مباني المدارس الحكومية لا يسر إلا فيما ندر، والنادر لا حكم له. وبوضع المباني الحالي الذي تتناقله وسائل الإعلام أو نعرفه من تجربتنا ومتابعتنا، والحقائق التي نراها، لن يخدم خطة الوزارة في تحقيق الرؤية ولا حتى في تحقيق أهداف التعليم ولا التربية، وحديثي هنا يخص جودة المباني وعددها فقط، وليس القوى البشرية من معلمين وإداريين وعمالة؛ لأننا والوزارة وأولياء الأمور أكثرنا عليهم وحمّلناهم ما لا طاقة لهم به، وحققنا فيهم قول الشاعر: أَلقاهُ في اليَمِّ مَكتوفاً وَقالَ لَهُ ** إِيّاكَ إِيّاكَ أَن تَبتَلَّ بِالماءِ.