النظام المعرفي (الإبستمي) هو أحد أهم وأكثر المفاهيم الفلسفية استخداما في الفلسفة المعاصرة. وبشكل سريع فهو موضوع منهج الأركيولوجيا التي هي منهج للحفر والنبش في فعاليات الحياة ووثائق الحفظ والخطابات من أجل كشف النظم المعرفية التي تحكمها وتنظمها في سياق واحد ولذا يمكن القول إن النظام المعرفي هو "الأرضية التي تقوم عليها معرفة عصر معين ومجاله المرئي، والمرتكز الثابت الذي يوزع خطاباته. أي الفضاء الذي تنتشر فيه موضوعاته، وقانون تواتر مفاهيمه، ونظام توزّع مشاكله وقاعدة توزّع أساليبه: أي فرض من الإكراهات المغلقة وغير المتحددة الملامح، التي تسم من قبل موطن كل خطاب" بحسب برنار هنري ليفي..
ينسب هذا المنهج عادة للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926- 1984) فقد مارس من خلاله البحث في الحضارة الأوروبية في أكثر من قضية. ففي كتابه: "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" درس فوكو تشكل خطاب معرفي جديد عن الجنون في الحضارة الأوروبية. هذا الخطاب هو نتيجة لنظام معرفي شامل أصبح ينبذ الجنون وينفيه ويستبعده إلى المستشفى/ السجن بحجة العقل. وفي كتابه الكلمات والأشياء قسّم فوكو الفكر الغربي إلى ثلاث حقب تاريخية انطلاقا من تشكل نظام معرفي خاص بكل حقبة، فعصر النهضة يتأسس على نظام "التشابه" مما يعني أن فهم خطابات هذا العصر لا يمكن فهمها إلا انطلاقا من هذا النظام فهي بمثابة المقدمات أو الأسس التي ينطلق منها التفكير وتتشكل بالتالي من خلالها الخطابات المعرفية والسياسية والفنية... الخ. يلي عصر النهضة العصر الكلاسيكي، المتمثل بالقرنين السابع والثامن عشر، ويسود في هذا العصر نظام (النظام والترتيب) أما العصر الحديث، القرن التاسع عشر، أصبح التاريخ أو الإنسان التاريخي هي المقولة الأساسية في هذا العصر. يؤكد فوكو أن الإنسان لم يكن موجودا قبل القرن الثامن عشر بمعنى أنه لم يكن هدف التفكير ولا منطلقه الأساسي أي أن تفكير الإنسان لم يكن إنسانيا ولا للإنسان، سواء كان لاهوتيا، سلطويا... الخ.
لا يقدم فوكو تفسيرا لتبدل الأنظمة المعرفية وحلول بعضها محل بعض و"إن كانت الأركيولوجيا تجعل من الممكن تحليله بدقة" فهي "تكتفي بتصفح الحدث وتبين الكيفية التي تصبح معها العلوم والمعارف في فترة تاريخية ما ممكنة"، إلا أنه تدخل في تاريخ الأفكار عدة مفاهيم تكمن في جذور الفكر نفسه. تساعد هذه المفاهيم على تناول الخطابات على أنها سلسلة منتظمة ومتمايزة من الأحداث. هذه المفاهيم التي تمثل (الخطر الثلاثي) هي الصدفة وعدم الاتصال والمادية. وهي هنا خطر على الفهم التاريخي القائم على الاتصال والتراكم وأيضا على التصور المثالي للتاريخ، التصور الذي يستبعد الحدث المادي. يدخل فوكو الصدفة "كمقولة في عملية إنتاج الحدث" رغم إحساسه "بغياب نظرية تمكّن من تصوّر العلاقات بين الصدفة والفكر".
قد تكون الصدفة هنا تعبيرا عما لا يمكن فهمه أو الوصول إليه من الأحداث التاريخية. إلا أن البعض يرى أن مهمة البحث عن هذه الأسباب ليست من مهام الباحث الأركيولوجي، والمنطق يقضي بأن يكتفي الباحث الأركيولوجي، باعتباره باحثا فينومينولوجيا (ظاهراتيا) متجاهلا للمرجع والمعنى، بوصف التحولات التي تطرأ على الممارسات الخطابية على مستوى النظام المرجعي الظاهر ووهم المعنى الذي يسبب وفرة الشروحات. بما أن مثل هذه الدراسة تقع خارج نطاق المعنى والحقيقة اللذين تنشدهما العلوم التي تعاينهما، فإنه لا ينبغي عليها أن تدّعي لنفسها لا مبدأ تفسيريا ولا معنى ما" بحسب اويير دريفوس وبول رابينوف في كتابهما عن فوكو.
النظام المعرفي في عصر ما، يمثل "البنية اللاشعورية للثقافة" حسب تعريف الجابري في تكوين العقل العربي. أو "لا وعي المعرفة" بحسب تعريف فريدريك غرو. أي أنه يمثل المنطق الذي يحكم إنتاج وتداول المعرفة ويكون متماهيا في الممارسة لدرجة أن الوعي لا يستحضره. إنه نظام مؤسس وعميق التأثير. وهو من هنا نظام خفي، لا يمكن استظهاره أو ملاحظته مباشرة، فهو كامن خلف البناء الكامل للثقافة. النظام المعرفي "الإبستمي" يقوم أيضا بعملية إعطاء المشروعية لخطابات معينة أو نبذها. فهو يملك مقياس الحقيقة. هذا النظام يشكّل عملية التفكير ويحدد شروطها وحدودها ولكنه يبقى لا مفكرا فيه.
بحسب فوكو فإنه لا توجد في كل مرحلة تاريخية معينة إلا إبستمي واحد، ينظم هذا الإبستمي المعارف والخطابات في سياق واحد. لنا هنا أن نتصور هذا الإبستمي على قدر عال من الشمولية والأولية. وهذه شروط تتحكم في قدرته على توليد وإنتاج المعارف. وهنا نجد أنفسنا أمام مفهوم مشابه لمفهوم "البراديغم" في العلوم كما نجده عند فيلسوف العلم الأمريكي كون هو "مجموعة القوانين والتقنيات والأدوات المرتبطة بنظرية علمية والمسترشدة بها، والتي بها يمارس الباحثون عملهم ويديرون نشاطاتهم. وحالما تتأسس تتخذ اسم العلم العادي"، إلا أن البراديغم محصور في سياق علمي محدد بمعنى أنه يمثل الأفق الذي تتحرك فيه البحوث في تخصص ما في فترة تاريخية ما ويأتي نتيجة لنجاح نظرية ما وقدرتها على تشكيل سلطة معرفية. من هنا يمكن أن نقول بكثير من التجاوز أن النظام المعرفي (الإبستمي) هو براديغم عصر من العصور.
يتحول البراديغم حين يتعرض لأزمة نتيجة لصعوبات تواجهها النظرية العلمية وتعجز من خلالها عن الإجابة على هذه الصعوبات، في البداية يقوم العلماء بالالتفاف على هذه الصعوبات عن طريق عمل الكثير من التلفيقات في النظرية ولكن هذه التلفيقات تعجز في رقع ثقب النظرية ومن رحم النظرية تخرج الثورة العلمية التي يقوم بها عادة العلماء الشباب ويرفضها الشيوخ ولكنها تنطلق لتؤسس براديغمها الجديد.