أحد أبرز التصريحات في صدر صحافتنا أمس، تلك التي تضمنت جوانب من حديث معالي وزير التعليم العالي في احتفالية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يأتي هذا الحديث الذي تضمنته محاضرة الوزير في وقت لا يبتعد سوى أسابيع يسيرة عن تلك التجمعات التي شهدتها جامعات وكليات محلية كشفت حالة كبرى من التباين في الأداء بين ما تقدمه الوزارة من رؤية وواقع وعمل، وبين ما تقدمه بعض الجامعات وما يحدث من تفاوت بينها بحسب المناطق والتجربة والإدارة. لقد حملت تصريحات الوزير مضامين إيجابية لكنها تدور في فلك نجاحات الوزارة، بينما ليست كل الجامعات بذلك التطلع المستقبلي، بدليل الواقع الحالي لبعضها.
وزارة التعليم العالي، ربما تكون الوزارة الأبرز التي تحظى الجهات التابعة لها بمثل هذه الاستقلالية، فالجامعات لها ميزانيات مستقلة، مما يعني أن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق إدارة الجامعة أكثر مما يقع على الوزارة، إلا أن بإمكان الوزارة أن تدير العملية التعليمية الجامعية بحضور وتأثير أكبر يتسم مع أنظمة وتشريعات التعليم العالي، وفي ذات الوقت يسهم في إيجاد مستوى عال ومتميز من التعليم الجامعي بما يوائم نجاحات الوزارة.
بالفعل، لقد نجحت الوزارة وبشكل مبهر ويستحق الإشادة في إدارة أضخم عملية ابتعاث يشهدها التاريخ السعودي بمختلف مراحله، وفي فترة وجيزة استطاعت الوزارة أن تؤسس منظومة أجهزة وإدارات داخل المملكة وخارجها، تعمل وفق أنظمة وإجراءات تستهدف الطالب ومصلحته أولا. ولقد شهدت أكثر من لقاء لمعالي وزير التعليم العالي مع طلاب وطالبات خارج المملكة، كانت تستغرق وقتا طويلا جدا، يتجاوز فيها الوزير كل نظام يمكن أن يمثل إعاقة لوضع الطالب ومسيرته الدراسية، بل ويطوع تلك الأنظمة لتكون منحازة ومرنة. والأعداد الكبيرة من الطلاب والطالبات الملتحقين ببرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي وتمكن الوزارة من إدارة كل ذلك الاتساع عبر العالم، أبرز دليل على رؤية حقيقية وواضحة لدى الوزارة. أيضا.. ذات التجربة وبذات القدرة والتمكن استطاعت الوزارة أن تقدمها في برنامج الابتعاث الداخلي، ووفق تنظيمات تجعل من الطالب محورا أول.
أمام ذلك النجاح في برامج الابتعاث، تصطف أمامنا حزمة من الأسئلة في واقع التعليم الجامعي، وكلنا نلاحظ ذلك الفرق بين جامعات وجامعات، فبينما تعيش بعض الجامعات صراعا حول قضايا الاختراعات والتقنية والمشاريع العلمية، تعيش جامعات أخرى صراعا حول خدمات الكافيتيريا ومحلات تصوير الأوراق والمذكرات والنظافة ورداءة دورات المياه.
هذا التفاوت بين واقع الجامعات يعيدنا إلى سؤال الصلاحيات، ولماذا تميزت جامعات وتراجعت جامعات أخرى؟ لماذا لا نشهد في جامعات يمكن أن تعتبر حديثة كجامعة جازان مثلا ذلك الامتعاض والاحتجاج الذي شهدناه في جامعة لا تبتعد عنها أكثر من 300 كيلو متر، رغم أنها أطول تجربة؟ إنه بالفعل سؤال الإرادة، وسؤال الإدارة.
بينما تتقاتل بعض جامعاتنا على درجات التصنيف الخارجي، ما الذي يمنع وزارة التعليم العالي أن توجد تصنيفا داخليا للجامعات السعودية يمثل معيارا تقييما واقعيا وعلميا لكل الجامعات، ويسعى لجعل المجتمع شريكا عبر إعلان نتائج سنوية لذلك التصنيف، الذي تدور محاوره حول كل جوانب العملية التعليمية ويصبح الطلاب فيه ركنا أساسيا في عمليات التقييم.
رغم الموقف الإيجابي الذي اتخذه سمو أمير منطقة عسير بعد احتجاج بعض الطالبات في كليات بجامعة الملك خالد، والتي تمثلت في إجراءات من أبرزها إنشاء لجان طلابية إلا أننا كنا ننتظر جميعا أن يتم إنشاء تلك اللجان بمبادرة من الجامعة، أو بتنظيم أعلى من وزارة التعليم العالي، لا كردة فعل فقط، بل كجزء من بنية المؤسسة الجامعية.
إن الزيادة المطردة في الجامعات السعودية، تحتاج توجها فعليا يسعى لبنائها كجامعات نوعية، تسهم في رفع مستوى التأهيل والتدريب بما يتلاءم مع الاحتياج المستقبلي السعودي الذي هو بالفعل مختلف للغاية عما كان عليه منذ عشرات السنين. وهو الهاجس الذي يمكن تلمسه في حديث الوزير بالأمس حين تحدث عن خطة طريق لتطوير التعليم العالي لجعله قادرا على المنافسة والريادة والوصول إلى تحقيق اقتصاد المعرفة.
إن هذا التوجع يستلزم دورا أكبر للوزارة في التأثير في شخصية كل جامعة، بل وفي التأثير في شخصية الطالب الجامعي عبر أنظمة وإجراءات تجعل منه شريكا في البناء لا مستهدفا بالتعليم والتأهيل فقط.