في برنامجه الجديد "ثورة التجديد" ظهر الشيخ عائض القرني بالعقال بعد عقود من مقاطعته، وقد يكون ذلك جزءا من دلالات البرنامج الذي ينبئ عنوانه ـ في ظني ـ أنه يتحدث عن التجديد.
على هذا الذكاء الرائع في الترميز من قبل الشيخ، وعلى الرغم من إفصاح الشيخ عن أن غرضه من لبس العقال هو أن يبين للناس أن لبس العقال ليس حراما، حيث أشار الشيخ عائض إلى أنه في موضوع اللباس عموما فإن الأصل في الأشياء "الإباحة" ما لم يرد نص صريح بالتحريم مثل ما جاء في الحرير والذهب، إلا أنني كنت أتمنى ألا يفعل الشيخ عائض ذلك وأن يبقى على ما عودنا عليه من عدم لبس العقال أو على الأقل ألا يلبسه على أنه "تجديد" و "ثورة"، لأن لبس العقال ليس تجديدا وليس ثورة في ذاته.
لست أدري ما هو مصدر اعتماد عدم لبس العقال مظهرا للالتزام وليس لدي مصدر تاريخي موثق غير الظن، أن السائد تلك الأيام هو العقال المقصب "الشطافة" الذي كان دليلا على المكانة ويشمل في نسيجه وتقصيبه الذهب، وكان يحضر من الشام. يبدو أن البعض في تلك الأيام استحرمه كما يستحرم البعض هذه الأيام "البشت" بسبب التقصيب من الذهب ولهذا حكموا عليه بالتحريم. وعلى الرغم من تطور العقال إلى شكله الحالي الخالي من القصب والذهب إلا أنه "استصحب" رمزية مظنة التحريم رغم انتفاء موجب تلك المظنة وهو احتواؤه على التقصيب.
في معرض الحديث عن رمزية اللباس، نجد كتاب الرجل الصنم عن مصطفى كمال أتاتورك (مؤلفه ضابط تركي مجهول الهوية) يتحدث عن حملة مشانق عامة نصبت في الشوارع لكل من عصى أمر أتاتورك بنزع العمامة والطربوش ولبس القبعة الغربية. ففي نظر المقاومين كانت القبعة ترمز إلى التفسخ من الدين والهوية العثمانية بل إلى التهويد بينما العمامة في ذاتها فقد كانت رمزا دينيا أقوى في دلالته وعمقه بالنسبة للأتراك العثمانيين في تلك الأيام من "العقال" على انتمائهم للإسلام والطربوش على انتمائهم للعرق التركي. لم أكن أتخيل أن تصل رمزية اللباس والنزاع حولها إلى هذه الضراوة والدموية حتى قرأت هذا الكتاب المعلومة.
اللطيف أنه على الرغم من تلازم الطربوش والعمامة في حربهما ضد القبعة الأجنبية التي فرضها أتاتورك، فإن العمامة والعقال اتحدا زمنا ضد الطربوش في الشام، بعد أن اتحدا في الدفاع عنه من قبل حين حاربه بعض من درس في أوروبا من المصريين في العشرينيات مثل سلامة موسى، وثارت العمائم والطرابيش وسطرت المقالات ضد سلامة موسى حتى شبه من يبدل الطربوش بالقبعة بمن يبدل نسبه. وما لبث هذا الحلف أن انقسم كما في الذكريات للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله إذ يروي كيف دعا في منشور له إلى نبذ الطربوش دعوة للحفاظ على الهوية العربية ونفورا من التغريب التدريجي عبر الطربوش إلى القبعة. ويروي كيف ما لبث دعاة العقال والمشلح إلى الانفضاض عنه خلال أشهر بسب مشاكله وعدم عمليته التي رواها الشيخ بظرفه الرائع وأحيل القراء إلى المقال (51) من الجزء الأول من الذكريات للاطلاع عليها وفقا لسرد الشيخ الماتع رحمه الله.
هذه التحزبات بين العقال والعمة والطربوش ضد القبعة، ثم العمامة والعقال ضد الطربوش، ثم العقال والعمامة مع الطربوش، تثير الملاحظة في مدى قوة الرمزية لغطاء الرأس عندنا عموما وإمكان أن يكون ما فعله الشيخ عائض من قبيل الثورة التجديدية فعلا (رغم عدم اتفاقي مع ذلك المسار والتسليم به).
القوة الرمزية للباس لا تقف عنده للأسف بل تنسحب على عدد من الدلالات الرمزية لدينا والتي أصبحت النقاشات حولها تأخذ منحى التعصب والتحزب الذي يشبه تماما التحزب الذي سردناه حول العقال والعمامة والطربوش. أود أن آخذ البنطال مثلا على ذلك، إذ نجد الأسئلة تتراكم وتتتالى "في الزمان الأول" عن حكم لبس البنطال للرجل باعتباره تشبها بالكفار وعن حكم الصلاة به وعند ثبات الحل، بدأت أرى أسئلة عن حكم الصلاة خلف من يلبسه أو الاستماع لخطبته وهو يلبس البنطال. وفي المقابل أرى كثيرا من أحبتي المعتنقين الجدد لدين الإسلام اتجاههم لتمييز أنفسهم عن غيرهم بلبس الثوب الخليجي و"الطاقية" أو "الكوفية" للترميز عن هويتهم وانتمائهم، وهو ما قد يؤخذ على الدين دون وجه حق بدلا ما يحسب له.
أتمنى أن يكون لدى مشايخنا وفقهائنا الموثوقين القدرة على أن يعلمونا الفرق بين اللازم شرعا واللازم عرفا بشأن اللباس والدلالات الرمزية، لما لذلك من دور في تعريفنا بسعة المساحة التي تلتقي فيها التيارات المتباينة وضيق منطقة الخلاف.
تغريدة: أرجو ألا تكون نهاية إقدام العقول "عقالا"!