لست أدرى ما إذا كان هذا الشعور الذي ينتابني كلما رأيت مثل هذا المشهد ينتاب غيري من الآخرين أم إنهم (يطنشون)؟ ولذلك هم مرتاحون. ثم لست أدري ما إذا كان تصرفهم سليما وبالتالي ينبغي عليّ أن (أطنش) مثلهم أم أن أعيش حالة من الغضب والقهر شبه دائمة لكثرة ما أسمع وأرى من مثل تلك المشاهد التي تضر بالوطن ومن يعيشون على ترابه. هذا التراب الذي بات يستخدم لدفن حبنا أحيانا، ويستخدم لدفن طموحاتنا وآمالنا نحو غد أفضل في أحيان أخرى، ويُنثر كثير منه في وجوهنا من قبل أناس جشعين كلما اعترضنا على تصرف أهوج أو اعتداء سافر على أملاك الوطن والطبيعة والبيئة، بل وعلى نفسياتنا قبل حقوقنا!

يوم الثلاثاء الماضي صدمني مشهد على كورنيش الدمام الشرقي حيث فجأة أقيمت ورشة عمل كبرى ليس على الشاطئ، بل داخل البحر، وكنت قد رأيت ألواح (الشينكو) تخفي عنا البحر الممتد من هذا الكورنيش إلى ميناء الدمام بطول سبعة كيلو مترات بموازاة الطريق الساحلي الرابط بين الخبر والدمام، لكنني ظننت أن الهدف من ذلك توسعة الطريق إلا أنني حينما شاهدت البحر يدفن ـ وكانت عمليات الدفن تتم في داخله وليست في أطرافه ـ شككت في الأمر، إذ كنت أظن أن البحر لن يدفن، ولكن عيني أكدت لي أن البحر يدفن، وأنني لست واهما، بل ويدفن في أهم وأجمل منطقة، حينها اتصلت بأمانة المنطقة الشرقية لأتأكد من الأمر فقيل لي "نعم يدفن"، ولكن ليس للأمانة علاقة بالدفن، فهذا مخطط سكني للقطاع الخاص الذي يملك جزءا من البحر وقد قرر الآن دفنه لإقامة مخطط سكني عليه!

يا الله! هل هناك شح في المساحات خارج الدمام حتى يدفن بحرها الذي بات يتقلص يوما بعد يوم بسبب هذه الاعتداءات التي لم تكن الأولى، إذ سبق أن دفن بحر الدمام في مواقع إستراتيجية بهدف إقامة مخططات سكنية في مخالفات صريحة؟

أتعلمون كم المساحة التي ستدفن من البحر والتي شرعت (الشاحنات) منذ أيام في دفنها؟ إنها خمسة وثلاثون مليون متر مربع! أكرر لتتأكدوا أنني لست مخطئا (خمسة وثلاثون مليون متر مربع)!، إنها بعمق خمسة كيلو مترات داخل البحر وبعرض سبعة كيلومترات!

أكتب هذه الحروف والجريمة ترتكب، ليس بحق البحر فقط، بل بحق سكان الدمام وبحق البيئة وبحق الوطن. أكتب ولست أدري ما إذا كان ما أكتبه سيفيد، ويصل إلى صاحب قرار يوقف هذه الجريمة أم سيتصل بي شخص ما ويقول لي: الأفضل لك أن (تطنش)؟