يقول المؤرخ الشيعي اللبناني، شهاب شمس الدين، وهو يستعرض فصولاً من تاريخ شيعة لبنان على قناة العربية: إن الفوارق بين الطوائف في الستينات لم تكن على قدر هذه الألوان الصارخة في التباين، مثلما هي عليه اليوم. مستشهداً بأن جبل عامل كان يسهر على خطابات الزعيم المصري، جمال عبدالناصر، فلم يكن أحد يومها على الإطلاق يتحدث عنه كرمز سياسي سني، بل كان ملهماً مشتركاً للجميع بغض البصر عن الانتماء والمذهبية. وبالطبع، يحاول الباحث أن يسبر غور الأسباب التي قادت لهذا الاحتشاد والتخندق المذهبي المثير للدهشة، حتى وهو يؤكد أن السير في هذا الطريق البالغ الخطورة سيكون ذروة الحرب الحقيقية الطاحنة في الشرق الأوسط بعد عقدين من اليوم، وأنا أظن أنه أعطى لموعد هذه الحرب مهلة طويلة لأن شواهدها أقرب حتى من نصف المسافة الزمنية التي تنبأ فيها بذروة المشهد.

لماذا؟ الجواب في الجملة الشاردة التي قالها وهو يتحدث خارج الأسباب حين يقول: إن الجبل كان يسهر المساء على خطب أبوسمرة عبر الراديو الوحيد الذي كان صوته بالكاد يعطي إشارة بث سليمة وأن ذات الجبل هو الذي يتبادل بضعة كتب كانت تأتي من النجف وكانت هذه الكتب وحدها هي المكتبة الوحيدة في نصف الخارطة الجنوبية لأبناء طائفته.

الجواب الحقيقي الذي قاد لهذا الاحتقان والاحتشاد المذهبي في عالم اليوم يكمن في الكثافة. يكمن في هول الأدبيات وأهوالها لأن الراديو الوحيد، ضعيف الإشارة، في وسط الستعينات من القرن الماضي، تحول اليوم إلى ثبات الأقنية، صوتاً أو صورة، فمن هو الذي سيضمن المحتوى أو يسيطر عليه، فيما لا يقل عن مئة قناة فضائية تتحدث اليوم باسم مشايخ الطوائف وبضعة الكتب التي كانت تأتي من النجف لتشكل شيئاً من وعي الناس أصبحت اليوم دولة كاملة سخّرت إمكاناتها إلى مطبعة هائلة تنثر كتبها وأحزابها إلى كل زاوية في هذه الخريطة. هذه الكثافة الهائلة من خطاب التخندق تنتج في اليوم الواحد من الأوراق ما كان يحتاج إلى قرن كامل في عصور التراث، وهذه القنوات المختلفة تحتاج إلى كل شيء من مفردات الكراهية كي تملأ يومها الطويل من البث كي لا تقع في التكرار وكي تصل إلى مزيد من الانتشار والشعبية. كل يوم من حياتنا صار طائفياً يفوق في طائفيته ما كان يحتاجه ملوك الطوائف في قرن من الزمن.